ما علاقة التصعيد العسكري شمال سوريا بفتح تركيا حدودها مع أوروبا بوجه اللاجئين؟


عقب التصعيد العسكري الليلة الماضية شمال سوريا بين الجيشين التركي والسوري، والذي أدى إلى مقتل أكثر من 30 عسكريا تركيا، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستلغي كافة الموانع التي كانت مفروضة على اللاجئين لديها للتوجه إلى الحدود مع أوروبا. الإعلان التركي رافقه جملة من المواقف الأوروبية والدولية الداعية إلى ضبط النفس في شمال سوريا والمطالبة لتركيا بمواصلة تحمل مسؤولياتها بموجب اتفاق الهجرة الذي وقعته مع الاتحاد الأوروبي عام 2016. فما هي جدية التهديدات التركية، وما هي النتائج المتوقعة في حال نفذ أردوغان تهديده بفتح الحدود؟

ارتفعت حدة التوتر شمال سوريا عقب قصف طال تجمعا للقوات التركية في إدلب، أدى إلى مقتل أكثر من 30 جندي وإصابة العشرات، وصفت جراحهم بالخطرة. مباشرة، عقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اجتماعا طارئا لحكومته، تبعه رد عسكري من الجيش التركي على مواقع للجيش السوري في المنطقة، أدى إلى مقتل 16 من قوات النظام، وفقا للمرصد السوري لحقوق الإنسان.

وعلى الإثر، تبادل الطرفان الروسي، الداعم الأساسي لقوات النظام السوري، والتركي الاتهامات حيال المسؤولية عن هذا الحادث. ففي وقت قالت فيه روسيا إن الجنود الأتراك كانوا في منطقة تواجد "للمجموعات الإرهابية" ولم يتم الإعلان عن تواجدهم في تلك المنطقة من قبل، قالت تركيا إن هذا غير صحيح، ملمحة إلى أن القصف السوري لقواتها جاء عن سابق إصرار وتصور.

القنوات السياسية لم تهدأ منذ مساء الأمس للبحث بتداعيات التصعيد، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن دعمها لتركيا في حربها في شمال سوريا. أم روسيا فأعلنت عن اتصال هاتفي جرى مساء أمس بين الرئيسين بوتين وأردوغان، اتفقا خلاله على تعزيز آليات التنسيق في تلك المنطقة لتفادي حوادث مماثلة في المستقبل.

بدوره، أعرب حلف الناتو، الذي تنتمي إليه تركيا، عن دعمه لأنقرة، داعيا روسيا وسوريا إلى وقف العمليات العسكرية في إدلب، معلنا عن تعزيز الدفاعات الجوية التركية، دون أن يقدم أي تعهدات إضافية.

فتح الحدود التركية مع أوروبا بوجه اللاجئين

تلك التطورات حملت الكثير من الأحداث المتلاحقة، حيث أعلن أحد المسؤولين الأتراك مساء أمس عن تعميم قرار على القوات البحرية وخفر السواحل بعدم اعتراض أي قوارب للمهاجرين المغادرين الأراضي التركية باتجاه أوروبا.

وصباح اليوم، قال مسؤول آخر لوكالة الأنباء الفرنسية إن بلاده قررت فتح حدودها أمام المهاجرين ليتوجهوا إلى أوروبا، في خطوة مرتبطة بالتصعيد الأخير في الشمال السوري.

وقال المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه "قررنا اعتبارا من الآن عدم منع اللاجئين السوريين من الوصول إلى أوروبا برا أو بحرا". وأضاف "أصبح عبور كل اللاجئين، بما في ذلك السوريون، إلى الاتحاد الأوروبي مرحبا به".


مراقبون عزوا هذه الخطوة التركية إلى تحسب السلطات لتدفق مئات الآلاف من النازحين السوريين الذين يقيمون حاليا عند الحدود مع سوريا إلى تركيا.

ونزح قرابة مليون مدني في سوريا باتجاه المنطقة الحدودية مع تركيا منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي، بعد انتزاع قوات الحكومة السورية، المدعومة من روسيا، أراض من قوات المعارضة المدعومة من أنقرة، الأمر الذي فجر أسوأ أزمة إنسانية في الحرب المستمرة منذ تسعة أعوام التي شردت الملايين وقتلت مئات الآلاف.

وسائل إعلام تركية عرضت لقطات لفيديوهات صباح اليوم الجمعة، قالت إنها لمهاجرين متوجهين إلى حدود تركيا مع اليونان، أملا بالعبور إلى الضفة الأوروبية.

وكالات إعلامية تركية ذكرت أن نحو 300 من المهاجرين، بينهم نساء وأطفال، كانوا ضمن المجموعة التي توجهت نحو الحدود في إقليم أدرنة التركي في منتصف الليل تقريبا. وأضافت أن هناك سوريين وإيرانيين وعراقيين وباكستانيين ومغاربة ضمن المجموعة.

وأضافت أن مهاجرين تجمعوا أيضا عند ضاحية أيواجيك على الساحل الغربي لتركيا في إقليم جناق قلعة بهدف السفر إلى جزيرة ليبسوس اليونانية في قارب.

الاتحاد الأوروبي يتوقع من تركيا التزامها ببنود اتفاق الهجرة

بدوره، حذر الاتحاد الأوروبي على لسان وزير خارجيته جوزيب بوريل اليوم من "مخاطر مواجهة عسكرية دولية كبرى" في سوريا، مؤكدا أنه سيتخذ "كل الإجراءات اللازمة لحماية مصالحه في مجال الأمن".

وأصدرت المفوضية الأوروبية بيانا اليوم الجمعة قالت فيه إن تركيا لم تعلن رسميا عن تغيير في سياستها الخاصة باللاجئين في بلادها، مضيفة أنها تتوقع أن تلتزم أنقرة بالتعهدات التي قطعتها على نفسها في مراقبة تدفق المهاجرين إلى دول الاتحاد الأوروبي.

وقال متحدث باسم المفوضية في مؤتمر صحفي "أود التأكيد على أنه لم يصدر أي إعلان رسمي من الجانب التركي بشأن أي تغييرات في سياسة طلب اللجوء أو السياسة المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين".

وأضاف "لذلك من وجهة نظرنا، لا يزال الاتفاق الأوروبي-التركي قائما ونتوقع أن تتمسك تركيا بالتزاماتها بموجب هذا الاتفاق. أكدت السلطات التركية رسميا أنه لا يوجد تغيير في السياسة الرسمية.. نتوقع أن يستمر الوضع كذلك".

ويهدف الاتفاق المبرم بين الاتحاد الأوروبي وتركيا عام 2016 إلى المساعدة على وقف توافد المهاجرين واللاجئين الفارين من الحرب والفقر في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا على دول الاتحاد. ووصل أكثر من مليون مهاجر إلى أوروبا عام 2015.

وينص الاتفاق على إعادة المهاجرين واللاجئين الذين يعبرون بحر إيجة بطريقة غير مشروعة إلى تركيا. لكن أنقرة قالت إن التمويل الذي تحصل عليه من أوروبا لا يُذكر مقارنة بمبلغ 40 مليار دولار تقول إنها أنفقته على المهاجرين.

من جانبها، أعلنت اليونان أنها عززت دورياتها الأمنية على حدودها بعد الإعلان التركي. وقال مصدر حكومي إن "اليونان شددت حراسة أراضيها ومعابرها البحرية الى أقصى درجة ممكنة" فيما أفاد مصدر في الشرطة أن الدوريات على الحدود تضاعفت وتم إصدار دعوة عامة لرفع الجهوزية.

وأفادت الشرطة اليونانية، بعد ساعات على إعلان أنقرة أنها لن تمنع المهاجرين من العبور إلى أوروبا، أن عناصر حرس الحدود اليوناني منعوا مئات المهاجرين الجمعة من دخول البلاد. وتوجه رئيس الأركان العامة اليوناني ووزير الشرطة إلى المنطقة، بينما أكدت الحكومة رفع التأهّب على الحدود "إلى أقصى درجة ممكنة".

ابتزاز لأوروبا والناتو

وسيم الأحمر، المحلل الصحفي في قناة فرانس24، قال لمهاجر نيوز إنه "من المبكر الحديث الآن عن أزمة لاجئين جديدة. يجب الانتظار حتى الغد على الأقل لمعرفة مدى جدية القرار التركي بفتح الحدود... على كل الأحوال، بالنسبة لأردوغان، فإن ورقة اللاجئين هي ورقة رابحة. ربما سعى من خلال هذا القرار للتلويح لأوروبا بورقة ثانية غير معلنة وهي ورقة الجهاديين الأوروبيين المتواجدين لديه".

ووفقا للصحفي الفرنسي، "لطالما حاول أردوغان ابتزاز الأوروبيين بموضوع اللاجئين والحدود، وهذه المرة لا تختلف عن سابقاتها. هو يحاول الحصول على المزيد من الأموال الأوروبية، وجر أوروبا إلى الموافقة على إقامة المنطقة الآمنة التي كان ينادي بها في شمال سوريا. كما أنه هدف لابتزاز حلف الناتو أيضا من أجل جره إلى المواجهة هناك".

ولفت الأحمر إلى أن الأوروبيين لا يمكنهم الاستجابة لتطلعات أردوغان، "فهم غير متواجدين ضمن المشهد العام لخريطة النزاع في شمال سوريا. هذا سبب رئيسي لحماس فرنسا وألمانيا لعقد القمة الرباعية التي جرى الحديث عنها قبل نحو أسبوعين لمناقشة الوضع في إدلب والتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار".

"إلا أن ردة الفعل الأوروبية لم تأت على قدر توقعات أردوغان"، يقول الصحفي قبل أن يختم "يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف كان هؤلاء المهاجرون جاهزون للانطلاق نحو الحدود بعد الإعلان بدقائق عن القرار التركي؟".


مهاجرنيوز

إرسال تعليق

0 تعليقات