مهاجرون فلسطينيون تم ترحيلهم من تركيا... ولكن إلى أين؟


استقبل مهاجر نيوز روايات فلسطينيين كانوا في تركيا، وتم احتجازهم هناك في مراكز ومخيمات مهاجرين في مدن مختلفة ولفترات طويلة. ووفق روايتهم، قامت السلطات بدفعهم لترك البلاد والسفر إلى دول أخرى. حاولنا في مهاجر نيوز التأكد من صحة المعلومات، وهذه بعض الشهادات.

تستمر السلطات التركية في عمليات احتجاز ما تسميهم "المهاجرين غير الشرعيين"، وذلك بهدف ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية. وفقاً لوزير الداخلية التركي سليمان صويلو، قامت السلطات بإلقاء القبض على 445 ألف مهاجر غير شرعي في تركيا خلال عام 2019، وتم ترحيل 105 آلاف منهم إلى بلادهم الأصلية في العام ذاته.

أحمد* وخالد* وسامح* مهاجرون فلسطينيون من غزة، توجهوا إلى تركيا بحثاً عن العمل والاستقرار، أو للعبور إلى أوروبا. وتم اعتقال المهاجرين الثلاثة إدارياً واحتجازهم لفترات طويلة وصلت إلى عام، في مخيمات أعدتها السلطات التركية للمهاجرين.

ووفقاً لروايات الشبان الثلاثة، فقد تعرضوا لتعذيب وإهانة في هذه المراكز، وتعرضوا إلى ضغوطات من قبل السلطات التركية في المراكز ليخرجوا من تركيا "طوعياً"، وقامت السلطات بإعطاء هؤلاء المهاجرين قائمة بالدول التي يسمح للفلسطيني بالسفر إليها، فاختاروا موريتانيا.

وتضع شهادات هؤلاء الشبان علامات استفهام حول الآلية التي تتبعها السلطات التركية لترحيل المهاجرين الفلسطينيين، خاصة القادمين من غزة مع العلم بأن الحدود البرية شبه مغلقة بين مصر وقطاع غزة، إضافة إلى حقيقة أنهم كانوا يحملون إقامات سياحية أو إقامات عمل رسمية في تركيا. وتتطابق رواياتهم حول قيام سلطات المخيمات في تركيا بوضعهم أمام خيارين: إما البقاء في المخيمات وظروفها الصعبة، أو الخروج "طوعياً" إلى بلد آخر قد يستقبلهم.

"انتهى حلمي بحياة مستقرة"

خرج أحمد، 29 عاماً، من قطاع غزة في كانون الأول / ديسمبر 2018، وتوجه إلى تركيا مروراً بمصر، واستقر في إسطنبول برفقة أخته ووالدته. ولحسن حظه، وجد فرصة عمل في مركز لزراعة الشعر، كما عملت والدته كمعلمة في إحدى المدارس الخاصة هناك. يقول أحمد واصفاً تلك المرحلة من حياته "لقد كنا نعيش حياة مستقرة. استطعنا الخروج من غزة بصعوبة، وكنا قد بدأنا للتو ممارسة حياتنا بشكل طبيعي. كشاب فلسطيني من غزة، وبعد سنين طويلة من البطالة وظروف الحياة الصعبة، بدأت في تركيا التفكير بمستقبلي بشكل طبيعي للمرة الأولى في حياتي".

لكن لم تدم فترة الاستقرار هذه طويلاً، فبعد أقل من أربعة أشهر، اقتحم أكثر من 10 رجال شرطة شقة العائلة الغزاوية، واعتقلوه واحتجزوه في مركز شرطة في إسطنبول لمدة أسبوعين، قبل أن ينقلوه إلى مخيم المهاجرين في "شقلجي" جنوب البلاد، مع العلم بأنه كان يحمل إقامة سياحية لمدة ستة أشهر في تركيا.
بعض الأوراق التي أرسلها أحمد إلى مهاجر نيوز، وتظهر تاريخ احتجازه في نيسان / أبريل 2019.

"احتجاز وتعذيب... ثم مفاوضات مع السلطات"

أما خالد فقد ترك زوجته وأطفاله الأربعة في غزة، وتوجه إلى تركيا بنية دخول أوروبا سعياً لإيجاد فرصة عمل. يقول الرجل الأربعيني "فقدت منزلي في قصف إسرائيلي في صيف 2014، واستشهد أخي أيضاً. دفعتني الظروف لفقدان الأمل من الحياة في غزة، ولم أجد طريقاً إلا بيع قطعة الأرض التي أملكها في غزة، والانطلاق نحو المجهول في تموز / يوليو 2018".

حاول خالد دخول أوروبا عبر تركيا، وجرب طرق التهريب براً وبحراً، ولكن السلطات التركية اعترضت جميع محاولاته، حتى تم احتجازه في المرة الأخيرة، ونقل إلى مركز في مدينة إزمير.

ومن جانبه، قدم سامح* وهو شاب فلسطيني، إلى تركيا في 2011 حيث أنهى دراسة الماجيستير في الإعلام والعلاقات العامة قبل أن يبدأ العمل في إحدى الصحف المحلية. يقول "بعد ثمانية أعوام في تركيا، وعلى الرغم من حصولي على إقامة رسمية للعمل في البلاد، تفاجأت باعتقالي أثناء عملية فحص دورية للإقامات في محطة المترو، وذلك في نهاية 2018".

اتفقت رواية الشبان الثلاثة بأنهم تم احتجازهم في مراكز الشرطة التركية قبل نقلهم إلى مخيمات مخصصة للمهاجرين، وتقع بعض المراكز التي ذكروها في: إزمير وشقلجي وأيدن وكيركالرلي وإزميت وهتاي وغيرها. وروى الشبان الثلاثة آلية النقل من مركز إلى آخر، حيث يمضون ساعات طويلة في الباصات دون طعام أو شراب.
بعض الأوراق التي أرسلها سامح إلى مهاجر نيوز والتي تظهر احتجازه إدارياً في تركيا.

أمضى المهاجرون الثلاثة فترات متفاوتة في هذه المخيمات، وصلت إلى العام، تخللها ما أسموه "مفاوضات" بينهم وبين السلطات التركية المسؤولة عن المخيمات للخروج من تركيا "طوعياً" نحو بلدان قد تسمح بدخول الفلسطينيين بتأشيرة سياحية. ومن الدول التي اقترحتها السلطات: ماليزيا واندونيسيا والإكوادور وبنما وموريتانيا وغيرها.

يقول سامح "الظروف في هذه المخيمات غير إنسانية، ولا يمر أسبوع دون اقتحام قوات (الجاندرما) التركية لعنابر المهاجرين وضربهم، إضافة لاستخدام بخاخات الفلفل التي يستمر أثرها لساعات". وأضاف "في ظل كل هذه الظروف الصعبة جداً، كانت السلطات تتفاوض معنا، وتضعنا امام خيارين: إما البقاء في هذه المخيمات، أو السفر إلى دول أخرى على عاتقنا الخاص".

"اخترنا موريتانيا"

التقى أحمد وخالد في مخيم في مدينة قيصري في وسط تركيا، يقول خالد "بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر من التنقل من مخيم إلى آخر، استدعانا مسؤول المخيم وطرح علينا فكرة السفر إلى دول كالإكوادور وبنما، فرفضنا لأنها بلدان بعيدة ولا نعرفها. غضب المسؤول كثيراً من رفضنا وأعادنا إلى الحجز. وبعد شهرين اقترح علينا موريتانيا فوافقنا، وجعلنا نوقع على أوراق تنازلنا فيها عن كامل حقوقنا في تركيا، وتحملنا فيها كامل مسؤوليتنا عن السفر إلى موريتانيا".

يبرر أحمد اتخاذ هذا القرار قائلاً "فقدنا الأمل بتركيا، وعلمنا أننا لو بقينا في هذه المخيمات لن يسأل أحد عنا، فقررنا الذهاب لأي بلد".

في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي، وصل أحمد وخالد إلى موريتانيا وحصلا على فيزا لدخول الأراضي الموريتانية في المطار. ثم قرر أحمد البقاء هناك على أمل الالتحاق بأمه وأخته اللتين خرجتا من تركيا وتوجهتا إلى بلد آخر خوفاً من اعتقالهما كما حدث لأحمد، بينما عاد خالد إلى أسرته في غزة بعد إطلاقه مناشدات لسفارة فلسطين في موريتانيا ومصر.

أما سامح، ففضل الذهاب إلى بلدان كماليزيا وإندونيسيا والهند، طامحاَ بالحصول على فرصة عمل بما أنه يحمل شهادة الماجيستير، كما قامت السلطات التركية بدفعه إلى الذهاب إلى الأردن، ولكنه كان يُرفض في كل المطارات لأسباب حاول شرحها "لقد رفضوني لعدم حملي لأية حقائب، ولأني لا أملك هاتفاً محمولاً ولا أملك حجزاً في فندق"، لذلك كانت تتم إعادته إلى تركيا، ثم إلى المخيمات.
صور أرسلها سامح إلى مهاجر نيوز تظهر أختام الدخول والخروج من الدول التي أُرسل إليها.

"في المرة الأخيرة، استدعاني مسؤول مخيم آيدن، وأخبرني بأن موريتانيا هي الحل الوحيد، وسمح لي بحجز غرفة في فندق وحجز تذكرة طيران، ووعدني بألا يتم اصطحابي إلى الطيارة برفقة رجال الشرطة، كل ذلك كان بهدف عدم خلق أي شكوك حولي لدى طاقم الطيارة أو السلطات الموريتانية، وهذا ما حصل. وها أنا الآن في موريتانيا منذ 20 يوماً".

"لم نسمع بمثل هذه الحالات"

ووفقاً لإمراه أوزيسين، من قسم الإعلام والتواصل في مكتب المنظمة الدولية للهجرة في تركيا، فإنه لم يسبق له وسمع بحالات مشابهة تتفاوض فيها سلطات المراكز والمخيمات مع مهاجرين حول وجهة ترحيلهم.

ومن جانبه، أفاد حسين أسد وهو مراسل فرانس 24 في تركيا، أنه شهد حالة لمهاجر عراقي تم احتجازه في تركيا، ونُقل إلى مخيم للمهاجرين، وقام بنفسه بشراء تذاكر السفر ليتم ترحيله إلى العراق، حتى لا يبقى لفترات طويلة في المخيم.

وحاولنا في مهاجر نيوز التواصل مع وزارة الداخلية التركية وجهات حقوقية في تركيا للحصول على معلومات لحالات مشابهة، لكننا لم نتلقى أية ردود.


مهاجرنيوز

إرسال تعليق

0 تعليقات