ضرب وسجن وتعذيب.. قصة طالب لجوء فلسطيني في اليونان


محمد، شاب فلسطيني من غزة، وصل إلى السويد قبل نحو ثلاثة أشهر عبر اليونان. قصة محمد لا تخلو من العذابات والصدمات والأحداث المأساوية. فالشاب البالغ من العمر 26 عاما، سجن في اليونان أكثر من عام ظلما، بتهمة التهريب، حيث تعرض للضرب وسوء المعاملة، حتى أنه فكر بالانتحار هناك.

درست الحقوق في غزة، أردت استكمال تحصيلي الأكاديمي فتوجهت إلى تركيا لأدرس شهادة الماجستير بالقانون الدولي.

وصلت إلى إسطنبول في نيسان/أبريل 2018 حيث بدأت مباشرة بالبحث عن جامعة لأسجل فيها.

صراحة، الهدف الأكاديمي كان ثانويا ضمن الأسباب التي دفعتني للخروج من غزة. السبب الأساسي هو خلافات عائلية، بين عائلتي وعائلة أخرى مقربة من الحكومة، ما اضطرني للهرب خوفا من الاعتقال هناك والتعرض للتعذيب.

بالعودة إلى تركيا، لم أتمكن من التأقلم بشكل جيد هناك، فالدراسة مكلفة جدا. نصحوني بالسعي وراء حلمي في أوروبا.

ذهبت إلى إزمير، تدبرت مهربا لينقلني إلى اليونان مقابل 600 دولار. في البداية قال لي إن القارب خشبي وإن عددنا لن يتخط الـ20. عندما وصلنا إلى نقطة الانطلاق كنا أكثر من 50 شخصا والقارب كان مطاطيا. على الشاطئ كان بانتظارنا أربعة مهربين، سوريان كرديان وتركيان.

اثنان من المهربين صعدا معنا إلى القارب بينما تبعنا الآخران بزورق سريع. عندما وصلنا إلى حدود المياه الإقليمية التركية، تركنا المهربون جميعهم وعادوا إلى تركيا.

تعطل المحرك بعد دخولنا المياه الإقليمية اليونانية بقليل. زورق تابع لخفر السواحل اليوناني اقترب منا وطلب منا التوجه إلى جزيرة قريبة. لم يكترثوا لعدم معرفتنا بالاتجاهات أو لحقيقة أن القارب معطل. غادروا بعد ذلك.

بقليل من الحيلة والكثير من الجهد تمكنا من الوصول لجزيرة فارماكوس، وهي جزيرة صغيرة تعتبر عسكرية. بعد التفتيش أخذونا إلى ليروس.

متهم بتهريب المهاجرين منذ سنوات

جميع المهاجرين كانوا سوريين ما عداي أنا وشابان آخران فلسطينيان. قبل الوصول إلى ليروس قالوا لي "لا تقل إنك فلسطيني، ادعي أنك سوري". لم أعمل بتلك النصيحة، فبدأت المغامرة من هناك.

لدى وصولنا إلى الجزيرة، أخذوا الجميع بحافلة إلى المخيم، إلا أنا أخذوني بسيارة شرطة. لدى وصولنا إلى مقر الشرطة، اتهمني أحد المحققين بأني مهرب بشر، وأنني مسؤول عن عمليات تهريب منذ 2014، وأنني المهرب الأساسي المسؤول عن هذه الرحلة.

طبعا أنكرت، وقلت له إنني كنت في غزة في ذلك الوقت أتابع دراستي، ولم أكن أفكر حينها بالسفر أساس. لم يصدقني، أخذوني إلى غرفة صغيرة حيث ربطوني بحبل وبدأوا بضربي. بقيت هناك ليلة على هذه الحالة.

بعد ثلاثة أيام من التحقيق والضرب والضياع الذي كنت أعيشه، نقلوني إلى سجن في جزيرة كوس. هناك أيضا ضربوني، حاولوا إجباري على التوقيع على استمارة قالوا إنها لاعترافاتي، رفضت لأنني لم أعترف بشيء كما أن الاستمارة مكتوبة باللغة اليونانية. عادوا وضربوني.

عندما حان موعد مثولي أمام القاضي، المحامي الذي تم تعيينه لي لم ينطق بشيء طوال المحاكمة، كنت أنا من يجيب على أسئلة القاضي.

القاضي لم يبرئني، قال لي إنه لديه أسباب موجبة تدفعه للشك بروايتي، وأنه سيبقي علي قيد الاحتجاز حتى انتهاء التحقيقات. بعد انتهاء الجلسة، نقلوني إلى سجن آخر في كوس، أكبر بكثير من الذي كنت فيه. هناك كنت محتجزا مع أشخاص مدانين بتجارة المخدرات والقتل وتشكيل العصابات.

التفكير بالانتحار

تلك كانت أسوأ أيام حياتي، فهذه المرة الأولى التي أدخل فيها إلى السجن. مخبرو الشرطة في الزنزانة قالوا لي إن قضيتي محتومة، وإنه سيحكم علي بالسجن 25 عاما على أقل تقدير. نفسيتي كانت محطمة، لم أعد أعرف كيف وصلت بي الأمور إلى هنا، فكرت جديا بالانتحار، كنت أرى أن حياتي بأكملها تتلاشى أمامي وما من شيء أستطيع القيام به لأنقذ نفسي.

بعد مرور ستة أشهر، أعلنت الإضراب عن الطعام. كنت يائسا وأريد أن أوصل صوتي بأي طريقة كانت. بعد ثمانية أيام جاء نفس القاضي الذي حكم علي في البدء. سألني عن سبب إضرابي عن الطعام فأخبرته أنني بريء من التهم التي وجهت لي، وأنه تمت إساءة معاملتي، وأنني قدمت كافة الأدلة والبراهين التي تثبت كلامي، ومع ذلك ما زلت معتقلا.

قلت للقاضي إن الذي دفعني للهرب من غزة وجدته هنا، سجن وضرب وتعذيب وإهانات، لم أتخيل أن مثل هذه المعاملة قد تكون موجودة في أوروبا.

لم يكترث لما قلته، قال لي إنه علي التوقف عن الإضراب عن الطعام، وإنني لو مت فهذا ليس من شأنه. رده كان كوقع الصاعقة علي. بعد مغادرته جاءني رجال الشرطة وهددوني بالضرب إن لم أتوقف عن الإضراب، فتوقفت مجبرا.

نهاية كانون الأول/ديسمبر 2018، وصلتني رسالة حددت موعد محاكمتي بعد ستة أشهر. لم يكن أمامي الكثير من الخيارات، فانتظرت موعد المحاكمة.

المحاكمة كانت على جزيرة رودوس. المحامي تقدم بكافة الدفوع الشكلية والعملية التي تثبت براءتي. القاضية هذه المرة اقتنعت بروايتي، وتقدمت مني بالاعتذار عما بدر من النظام القضائي اليوناني تجاهي، وقالت لي إنه يحق لي طلب تعويض عن كل الفترة التي سجنت فيها ظلما خلال 10 أيام. لم أصدق أذناي، كنت فرحا للغاية، ففي النهاية ظهرت الحقيقة.
ورقة المحكمة التي تثبت براءة محمد وتظهر المدة التي سجن فيها ظلما. الصورة أرسلها صاحب الشهادة

بصيص أمل يتلاشى

تلك النافذة المضيئة ما لبثت أن أغلقت من جديد. سيارة الشرطة التي كانت تنتظرني أمام المحكمة لتقلني إلى السجن لآخذ حاجياتي الخاصة، نقلتني إلى سجن مختلف، أمضيت هناك 10 أيام دون أي سبب أو وجه حق. لاحقا نقلوني إلى سجن كوس حيث أمضيت 15 يوما قبل أن يتم إطلاق سراحي.

عند الإفراج عني لم أستلم هاتفي أو أموالي التي كانت بحوزتي. سألت عنهم قالوا إنهم لم يستلموا مني شيئا. مرت الفترة التي كان من المفترض بي أن أرفع دعوة للمطالبة بالتعويض، وانتهى بي الأمر مرة أخرى وسط المجهول.

ذهبت إلى مخيم كوس. لدى وصولي استلمت إقامتي التي وصلت قبل فترة. مباشرة أمرت إدارة المخيم بطردي من هناك كوني حصلت على الإقامة. توسلت إليهم ليسمحوا لي بالمبيت ليلة واحدة ريثما أتدبر أموري إلا أنهم رفضوا. رموني على باب المخيم حيث قررت أن أبيت. في الليل خفت، فهناك الكثير من الكلاب والجرذان. مشيت حتى وصلت الشاطئ. جلست هناك أتأمل الأمواج لتأتيني سائحة بريطانية استمعت إلى قصتي كلها. السائحة اشترت لي بعض الطعام والشراب، إضافة إلى سترة تقيني برد البحر ليلا. بقيت على هذه الحال نحو أسبوعين.

تعرفت إلى شاب فلسطيني مقيم في مخيم كوس، استمع إلى قصتي وساعدني. أمن لي الدخول ليلا إلى المخيم لأبيت هناك. طبعا لحظة دخولي كانت الصدمة. وضع المخيم سيئ لدرجة كبيرة، ما من بنى تحتية، النفايات منتشرة، الحمامات غير صالحة. بصراحة، السجن أفضل بكثير من هذا الوضع.

بعد أن تمكنت من التحدث لأهلي للمرة الأولى منذ أكثر من عام، طلبت منهم المال. تمكنوا من تحويل مبلغ لي بواسطة إحدى شركات تحويل الأموال استخدمته لأصل إلى السويد.

الرحلة لم تنته هنا، الكثير من التفاصيل والخيبات تعرضت لها خلال مكوثي في اليونان. ولكن ما أنا ممنون له هو عدم استسلامي. قراري كان أنه علي المضي قدما والوصول إلى السويد مهما كلفني الأمر، وهذا ما حصل.

اليوم أنا موجود في السويد منذ نحو ثلاثة أشهر، مازال خطر إعادتي إلى اليونان قائما ولكن بنسبة ضئيلة جدا. هنا رأيت فرقا شاسعا بالمقارنة مع ما يمر به المهاجرون في اليونان. هنا أريد أن أبقى وهنا أريد أن أصنع مستقبلي.



وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات