التجربة النمساوية لمواجهة كورونا بين انتقادات أوروبا والمصلحة الاقتصادية

Coronavirus: Bereits 101 Polizisten in Österreich infiziertخرج المستشار النمساوي سباستيان كورتز مع ثلاثة مسئولين رفيعي المستوى الاثنين الماضي لإعلان خطة الحكومة النمساوية تخفيف إجراءات حظر التجوال المفروضة في البلاد وإعادة فتح المحلات والمطاعم والخدمات تدريجيا.

كانت النمسا فرضت حظر التجوال وأصدرت أوامر مشددة لمواطنيها بالبقاء في المنزل وتغريم من يوجد خارجها يوم 15 مارس الماضي بالتزامن مع وصول الحالات المصابة بالبلاد إلى 1000 حالة إصابة على العكس من إسبانيا وإيطاليا اللتين لن تعلنا عن نفس الخطوة إلا عندما تخطى عدد المصابين حاجز عشرة الآف شخص.

ومع صدور عدد من المؤشرات الإيجابية قررت الحكومة النمساوية على لسان مستشارها تخفيف إجراءاتها تدريجيا وكان أبرز المؤشرات الإيجابية التي أدت لتلك الخطوة هو الانخفاض الملحوظ في نسبة تضاعف المصابين يوميا فوفقا لتصريحات وزير الصحة النمساوي ردلوف أنشوبير فإن تناقص عدد المصابين يوم الثلاثاء الماضي بنسبة 2.56% إضافة لزيادة العدد اليومي للمتعافين عن المصابين الجدد يمثل “نجاحا كبيرا” فقبل أسابيع قليلة كانت معدلات النمو أكثر من 40%، في حين أن متوسط الأيام الأربعة الماضية كان 2,41%.

الخطة المتدرجة

هذا التحسن الملحوظ بالإضافة للمعاناة الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد النمساوي منذ بدء فترة حظر التجوال أديا إلى أن تتخذ الحكومة خطوة رفع الحظر تدريجيا.

وسترفع الحكومة النمساوية الحظر عن المحلات ثم القطاعات المختلفة تباعا بالشكل التالي:-

•تمديد القيود المفروضة على الخروج والحركة حتى نهاية أبريل الجاري.

•من 13 ابريل الحالي سيكون قناع الوجه إلزاميا في وسائل النقل العام.

•من 14 أبريل بإمكان المتاجر التي تبيع السلع والحرف اليدوية والتي تقل مساحتها عن 400 متر أن تفتح مجددا على أن يتم اتباع تدابير صارمة تشمل الأقنعة والمطهرات وعدد محدود من العملاء في المتاجر.

• من 14 أبريل سيكون بإمكان متاجر مستلزمات البناء والحدائق الافتتاح مجدداً.

•بدءاً من 1 مايو سيكون بإمكان جميع المتاجر ومحلات تصفيف الشعر الافتتاح مرة أخرى.

•تفتح المطاعم والفنادق ومقدمي الخدمات الآخرين في أقرب وقت بدءا من منتصف مايو وبشكل تدريجي على أن يتم اتخاذ قرار في منتصف أبريل بهذا الخصوص.

• اجراء امتحانات الشهادة الثانوية والصناعية في مواعيدها وفق تدابير صارمة.

• المدارس مستمرة في التعليم عن بُعد حتى منتصف مايو.

• لن يتم افتتاح الجامعات لبداية العام الدراسي المقبل وسيتم متابعة الأبحاث والاختبارات رقمياً.

• حظر الفعاليات والأنشطة الكبيرة حتى آخر يونيو.

• الوزراء المسؤولون عن التعليم والرياضة والثقافة وحرية السفر سيعلنون مزيدا من التفاصيل في مؤتمراتهم الصحفية خلال الأيام القليلة المقبلة.

هذه الخطة ، التي استندت فيها الحكومة النمساوية قبل الإعلان عنها للمؤشرات الإيجابية من حيث انخفاض معدل الإصابات ومعدلات الوفاة ، لاقت انتقادات من قبل سياسيين ومنظمات مجتمع مدني والاتحاد الأوروبي ومنظمة الصحة العالمية.

من جانبها ، حذرت منظمة الصحة العالمية يوم الثلاثاء الماضي ، أي بعد يوم من إعلان الحكومة النمساوية خطتها لتخفيف الإجراءات تدريجيا ، في بيان لها ، الدول من تخفيف إجراءاتها.

بدوره ، حذر رئيس مكتب منظمة الصحة في أوروبا “هانز كلوغ” من موجة انتشار جديدة للفيروس بالتزامن مع عيد الفصح إذا لم يلتزم المواطنون الأوروبيون بالحظر والتباعد الاجتماعي.

وقال “كلوغ” ، خلال مؤتمر صحفي عبر الـ(فيديو كول) ، إن ” أي إمكانية لتخفيف الإغلاق والإجراءات المتبعة مثل التباعد الاجتماعي وغلق الأماكن العامة تتطلب من حكومات الدول دراسة دقيقة للغاية مثل النظر لقدرات النظام الصحي واستعداده لاستقبال مزيد من حالات الإصابة من عدمه”.

وأضاف أنه لايزال أمام العالم، أوروبا تحديدا، طريق طويل لمواجهة فيروس كورونا، واصفا التقدم الذي أحرزته الدول حتى الأن في خفض معدلات الإصابة بانه “هش للغاية”.

وتابع قائلا :” الاعتقاد بأننا اقتربنا من نهاية الأمر هو اعتقاد خطير للغاية حيث يجب أن لا يمس التعامل مع جائحة كورونا أي مجال للخطأ”.

انتقادات داخلية وخارجية

على المستوى الداخلي ، وجهت انتقادات للائتلاف الحاكم ، المشكل من حزب المحافظين الذي يقوده المستشار النمساوي كورتز وحزب الخضر المعني بمناصرة قضايا البيئة ، بسبب قرار تخفيف الإجراءات حيث يرى البعض أن حكومة كورتز تفضل انقاذ الاقتصاد النمساوي بدلا من المواطنين.

ففي البلد ، ذات التسعة ملايين مواطن ، تشكل حركة الشراء والبيع داخليا ما نسبته 50% من الناتج القومي الإجمالي وهو ما يعني أن تخفيف الإجراءات سينتج عنه ارتفاع اقتصادي مطرد تراهن عليه الحكومة النمساوية ، فيما تشير التقارير الصادرة عن جوجل باستخدام خاصية تتبع أجهزة الهاتف الذكية أن انخفاضا نسبته 87% في رحلات المواطنين للمحال التجارية قد سجل منذ بدء الأزمة كما انخفض معدل رحلات المواطنين لمتاجر الأغذية والصيدليات بنسبة 67% مقارنة بأرقام ما قبل الأزمة.

وبرغم من صحة الطرح الذي تسعى له الحكومة النمساوية لعودة الاقتصاد من خلال عودة الحياة وبالتالي عودة التجارة وعمليات الشراء والبيع إلا أن شكوكا تدور حول الأمر لسببين الأول وهو التجربة الصينية حيث خلصت دراسة أجراها مركز ” أر بي سي” للأبحاث الاقتصادية أن الصين ومع رفع الحظر التجوال والسماح للمواطنين بالخروج من منازلهم لم يستجب المواطنون فوراً بل تفاوتت درجات الاستجابة وتوقيتاتها وهو ما انعكس على التوقعات الأولية للسوق الصيني بعد رفع العزل الصحي.

أما ثاني الأسباب هو أن النمسا تصدر 70% من منتجاتها لدول الاتحاد الأوروبي والتي لاتزال حدودها مغلقة فيما بينها مما يعني أن منتجات النمسا لن تجد من يشتريها منها سوى الدول التي اتخذت إجراءات مماثلة لها وستسمح بمرور البضائع كالدنمارك مثالا والتي تشارك النمسا توجهها في تخفيض إجراءاتها بشكل تدريجي.

يختلف كثيرون حول السبب الحقيقي وراء الخطة النمساوية الجديدة والطرح المختلف لها عن باقي جيرانها في أوروبا فالبعض يرى أنها بسبب قدرة الحكومة النمساوية واتخاذها إجراءات مبكرة عن جيرانها مما سمح لها بتخفيض معدلات الانتشار والوفاة الناجمة عن الإصابة وبالتالي فهم يرفعون الحظر مبكرا عن جيرانهم بسبب المؤشرات الإيجابية واستباقهم للحدث مما يسمح لهم بسبق جيرانهم لتخفيف الإجراءات.

بينما يرى أخرون أن السبب الحقيقي هو اقتصادي بامتياز حيث يعتمد الناتج القومي الإجمالي في النمسا على حركة البيع والشراء داخل البلاد بنسبة النصف تقريبا ، ما عزز هذا الطرح هو عدم قيام الحكومة النمساوية ومع بداية الأزمة باتخاذ قرار بإغلاق منتجعات التزلج على الجليد الشهيرة بالبلاد والتي يزورها السياح من كل أنحاء العالم برغم من ظهور إصابة فيها إلا أن حكومة كورتز فضلت الاستفادة من واقع هروب السياح من إيطاليا وإسبانيا إلى منتجعات النمسا التي سجلت زيادة قدرت ب12% في عدد السياح القادمين إلى منتجعات التزلج على الجليد في هذه الفترة من العام مقارنة بنفس الفترة العالم الماضي قبل أن تجبر أعداد الإصابات الحكومة على إغلاق تلك المنتجعات.

لكن يبقى السؤال هنا، هل عودة الاقتصاد النمساوي تستحق المخاطرة لهذه الدرجة؟ أم أن الحكومة تأكدت من أنها قادرة على مجابهة فيروس كورونا؟ حتى اليوم وصل عدد إجمالي الإصابات في النمسا إلى 13150 شخصا توفي منها 295 شخصا وشفي 5240 شخصا وقد سجلت السلطات 163 حالة إصابة جديدة و22 حالة وفاة حتى ظهر اليوم الخميس بانخفاض ملحوظ عن أمس الأربعاء حيث سجلت 303 حالة و30 حالة وفاة.

يبقى الرهان في النمسا قائما فبعد خمسة أيام من الخميس تبدأ البلاد بالفتح من جديد وسيسمح للمواطنين بالخروج مع التأكد من اتخاذ أقصى درجات الحرص والنظافة الشخصية والتباعد الاجتماعي، فهل ستفلح خطة الحكومة النمساوية في إعادة الاقتصاد وحماية حيات الأفراد أم ستنقذ أحدهما على حساب الأخر ، وحدها الأيام والأرقام هي ما ستجيب عن هذا السؤال ، فبحلول منتصف شهر مايو المقبل سنتمكن من الحكم على التجربة النمساوية إذا ما كانت حقا ناجعة أم كان من الأفضل لها اتباع خطوات جيرانها الأوروبيين.


وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات