رغم الوباء.. لرمضان بالنمسا خصوصية لا يحجبها الحجر الصحي

Islam - 7 Fragen und Antworten rund um den Ramadan • NEWS.AT
في غمرة الانشغال بالتطورات الصحية وتقلبات اقتصادية تعطل إكسير الحياة الاجتماعية، وبينما ترخي الأزمة الوبائية بكامل ثقلها على الحياة العامة، لشهر رمضان لدى الجالية المسلمة المقيمة بالنمسا خصوصية لا يحجبها الحجر الصحي.

تنبثق هذه الخصوصية من حجم وتنوع الجاليات المسلمة المقيمة بهذا البلد الأوروبي، حيث تلتئم عادات من ثقافات ومشارب شتى لإحياء سيد أشهر السنة عند المسلمين، تُذكي ما يكتسيه من هيبة وروحانية، وُتجسد أسمى مقاصد العبادة عبر سلوكيات ملؤها العطاء والتآزر.

حلول الشهر الفضيل هذا العام في ظرفية لم تكن في الحسبان لم يثني الجاليات المسلمة عن العناية بأدق التفاصيل.

أُهبة الاستعداد تبلغ ذروتها عشية قدومه، كما جرت العادة، بالملبس والمأكل وزينة الجدران، وإن تقيدت حرية التنقل ولقاء الأهل والأصدقاء في الصلوات الجماعية والولائم، تظل قيم الرحمة والتضامن معينا لا ينضب.

تَمثُّل القيم الفضلى والثناء لله مستحق الحمد يبقى أهم مقاصد هذا الشهر، بالنسبة لحنيفة بوسنية الأصل المقيمة بالنمسا منذ ثلاثين سنة، “هذه القيم الثابتة التي يفترض ألا تتأثر بأي ظرف كيفما كان”.

في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، اعتبرت أن الرهان خلال رمضان في ظرفية “كونية” استثنائية هو “استعادة كل منا لتوازنه الروحي، رغم الوباء الذي يحبس أنفاسنا ويشغل بالنا بحال أحبائنا بالوطن وبلد الإقامة”.

“اختبار كورونا” بتعبير حنيفة، التي تعمل مساعدة اجتماعية بأحد دور رعاية المسنين، “فرصة لننفتح نحو رؤية مغايرة للعالم، نفتح قلوبنا للعطاء، إن توجسنا من فتح ذراعينا (في إشارة إلى خطر انتقال الوباء عبر العناق أو المصافحة باليد).

وأكدت المتحدثة وهي أم لطفلين، أن الوضع الطارئ أذكى خصوصية الشهر الفضيل ولم ينتقص منها البتة، فباستثناء غياب بعض الطقوس الجماعية كالزيارات والتجمعات والصلاة بالمساجد، يحتفظ رمضان بمكانة خاصة توقظ الحنين إلى ذكريات الطفولة، وصور مجالس الذكر والسمر الليلي وزينة الفوانيس في كل مكان، بحسب بوحها للوكالة.

ما يزيد خصوصية رمضان هذا العام أيضا في تقديرها “ترويض النفس على الصبر والعدول عما بات محظورا أو غير مستحب بسبب الوباء، علاوة على الامتثال لتدابير السلطات النمساوية ،التي تبذل قصارى جهدها لحماية ساكنة البلاد، وبما فيه دفع الضرر عنا وعمن حولنا”.

بذات المنسوب المرتفع من الإيجابية، حدثنا آياز وهو طالب تركي بالسنة الأولى بكلية الطب بفيينا، عن أول رمضان يمضيه خارج الديار وقيد الحجر الصحي.

في حديثه للوكالة، اعتبر أن الفرصة سانحة لزيادة الأجر أضعاف مضاعفة، في ظاهرها نهي النفس عن المضار وتهذيبها وتربيتها على التكيف مع الطوارئ، وفي باطنها تنويع الصائم لعباداته وتحويل بوصلة اهتمامه من المظاهر صوب الغايات المرجوة من العبادات بالإسلام، كسائر الأديان.

وفي سعيه لغنائم شتى خلال هذه الظرفية الاستثنائية، انضم آياز إلى إحدى المبادرات التطوعية بمعية شباب من طلبة الجامعات والناشطين المدنيين، لتقديم يد العون للأشخاص المسنين ومحدودي الحركة ممن يقيد الوباء حركتهم أو يعرض حياتهم للخطر.

وأقر المتحدث بأن الظرفية الحالية منحته فرصة للانخراط بشكل كبير في مثل هذه المبادرات التضامنية، لا سيما بعد توقف الفصول الدراسية والاقتصار على حصص افتراضية، ومن ثم الجمع بين العمل الخيري والتجربة المهنية في معاينة ورعاية بعض الحالات المرضية.

في تجربة أخرى، حدثتنا عواطف ،وهي مواطنة مغربية ، عن “رمضان استثنائي بكل المقاييس”. هي التي دأبت طوال اثنتي عشرة سنة قضتها بالنمسا على العناية بأدق التفاصيل في الاستعداد للشهر المبارك وإبانه، في أجواء من صلب تقاليد وعادات الوطن.

عن نوستالجيا “رمضان ما قبل الحجر” تتذكر عواطف، وهي أم لطفلين في الثامنة والعاشرة من العمر، أجواء بهيجة حيث كانت تعبق موائد الإفطار، إن بالمنازل أو المراكز الإسلامية، بأطباق تعكس جانبا من موروث ثقافي متعدد المشارب، وفي أجواء تسمح بتعريف الناشئة بالطقوس الرمضانية ومكارم العبادات بالدين الإسلامي.

وكمغاربة بالنمسا، تضيف المتحدثة ، “لطالما غنمنا من هذا الشهر لمة أسرية بنكهة “تمغريبت” في نهاية الأسبوع أو أيام الجمعة، نلتئم لنشهر غبطتنا بقدوم شهر هو كالريح المرسلة أمام اعين أطفالنا، لتربيتهم على القيم الإسلامية وعمقها الإنساني”.

لكن ما يحزنها هذا العام هو غياب والدتها التي اعتادت أن تمضي شهر رمضان برفقتها بالنمسا، بعد إغلاق الحدود، هي التي قالت إنها “تجلب بعضا من دفء الوطن ووهجه في المناسبات الدينية”.

وكسبيل إلى الخلاص من عبء متغيرات فرضتها الظرفية الصحية ،أكدت أن “العبادة والانبراء إلى كل ما هو روحاني في تَمثُّله ومقاصده، فضلا عن التضامن والعطاء في شقيهما القيمي والمادي، يبقى الملاذ الآمن من هواجس التطورات الوبائية التي ترخي بظلالها على معيشنا اليومي”.

كما أضافت أن الالتزام بالحظر المفروض على التجمعات، رغم مرارة فقدها خلال الشهر الفضيل، هو انخراط مسؤول في الجهود المحلية والكونية المبذولة لكبح جماح الوباء، الذي أظهر كنه القيم الكونية المشتركة.

وفي مواكبتها لهذا الطارئ الصحي، حرصت الهيئة الإسلامية بالنمسا على إطلاع أفراد الجالية المسلمة على جديد التدابير الرسمية وتلك المتعلقة بالشعائر الدينية، خاصة بعد حظر ارتياد دور العبادة لكافة الطوائف الدينية المعترف بها بالبلاد لأزيد من شهر، والإعلان عن إعادة فتحها بدءا من 15 ماي المقبل بضوابط مشددة.

وفي رسالة بالمناسبة، قال رئيس الهيئة أوميت فورال “صحيح أن تعليق الصلوات الجماعية وقصر الإفطار على دائرة الأسرة الصغيرة يمثل تغييرا جذريا في طقوسنا المعتادة خلال شهر الصيام، لكن من المهم في الوضع الراهن إنارة منازلنا بالصلاة والتلاوة وتحويلها إلى مساجد”.

كما أكد المسؤول ،في الرسالة التي أوردها الموقع الرسمي للهيئة ، أنه “بالرغم من بعد المسافات يمكننا الالتئام بأرواحنا (..) بالاستعانة بكل ما تتيحه التكنولوجيات الحديثة من وسائل سهلة وغير مكلفة للتواصل”، مثمنا التعاون الذي أبان عنه المسلمون في هذه الظرفية، وانخراطهم في مبادرات تطوعية عديدة لدعم جهود الحكومة الفيدرالية لحماية الصحة العامة.

من جهته، اتخذ المركز الإسلامي بفيينا مجموعة من التدابير للتكيف مع مستجدات الأزمة الصحية، من جملتها بث صلاة التراويح وخطبة الجمعة مباشرة عبر موقعه الإلكتروني وصفحته عبر موقع “فيسبوك” في مواعيد ثابتة، وعرض دروس يومية باللغة الألمانية في تفسير وتلاوة القرآن الكريم.

ورغم هول الجائحة وتطوراتها المثيرة للدهشة، يعيش المسلمون عبر العالم تجربة استثنائية فرضها عدو غير مرئي، غيّب مظاهر الحياة لكنه كشف المكنون المشترك في إنسانيتنا، وأكد لنا أن العسر مهما عظُم واشتد قرين باليسر.



وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات