فيينا.. نظرة من الداخل على حياة المقيمين في هذه المدينة


عاما بعد عام وما زالت عاصمة النمسا تحتفظ بلقبها كأكثر مدن العالم جاذبية للعيش فيها، فسحرها الأنيق الهادئ يجذب الكثير من المقيمين إليها. 

تصدرت فيينا أحدث قوائم مؤشر “ميرسر” لجودة المعيشة لعام 2019، وكذلك تصدرت تصنيف وحدة التقصي التابعة لجريدة “الإيكونوميست” لأكثر المدن ملاءمة للعيش، وذلك بفضل ما تتمتع به العاصمة من التوازن بين الاستقرار السياسي، وتكاليف المعيشة، والنظافة، والثقافة، وتوفر المدارس، والعناية الطبية.

وهذا التقدير العالي لا ينحصر في العاصمة فقط؛ فالدولة بشكل عام توفر الكثير من المزايا، وعلى ما يبدو فإن ما يقارب ثُلث المقيمين في النمسا يفكرون في البقاء فيها ليمضوا بقية حياتهم، وفقاً لتقرير مؤسسة “إنترنيشنز”؛ وهي تجمُّع افتراضي للمغتربين حول العالم. والمدينة الملكية التي اشتهرت بسيغموند فرويد وغوستاف كليمت، والكرات البلورية التزيينية وثقافة المقاهي، تفتح أبوابها لطيفٍ واسع من البنوك الدولية والشركات الكبرى والجامعات، وتعدّ من المراكز العالمية لمنظمة الأمم المتحدة، كما تعد بيئة مرحبة بالمقيمين الأجانب من مختلف المنظمات الدولية.لوحة “شجرة الحياة” من الأعمال المهمة للرسام النمساوي غوستاف كليمت- (1862-1918)

من بين سكان فيينا المليونين، هنالك نحو 340000 شخص يتكلمون الإنجليزية أفضل من الألمانية، وذلك وفقاً لمجلة “ميتروبول” الناطقة بالإنجليزية، التي تعنى بشؤون فيينا والنمسا بشكل عام. ويتمتع العدد الكبير من الأجانب المقيمين في فيينا بسهولة الوصول إلى البحيرات والمتنزهات الجبلية في الألب وأماكن التزلج، وكذلك بالمشهد الثقافي المتقدم للمدينة. ويستفيد سكان العاصمة من المزايا المتطورة التي تتوفر فيها؛ مثل نظام النقل العام الذي كان يستخدمه قبل جائحة “كوفيد-19” نحو 94% من سكانها، وفقاً لإحصاءات مجلة “ميتروبول”.

ويمكن لسكان المدينة أن يشتروا ما يُعرف بـ”ياريسكارتيه”، وهي تذكرة سنوية قيمتها 365 يورو، تتيح لحاملها استخدام شبكة مترو الأنفاق الشاملة في المدينة، وكذلك منظومة الترام والباصات فيها بمقابل يورو واحد في اليوم. ويطلق على فيينا أحياناً لقب “بوابة الشرق”؛ بسبب موقعها الجغرافي وصلاتها مع أوروبا الشرقية. وفي الوقت نفسه، يسهل الوصول إليها بالقطار أو الطائرة من مختلف المدن الأوروبية؛ خصوصاً في وجود شركة الخطوط الحديدية الوطنية التي تسيِّر رحلات ليلية إلى كل من سويسرا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا. ربما تجد مدناً أكبر من فيينا على خريطة النمسا، ولكن مارغريت تشايلدز، ناشرة مجلة “ميتروبول”، تقول: عندما أقارن العاصمة السابقة للإمبراطورية النمساوية المجرية مع المدن الأخرى التي أعدّها بمنزلة بيتي، فإن فيينا تبقى هي الأفضل.

تقول السيدة تشايلدز، بينما تتناول فنجان إسبريسو وعصير الليمون الطازج في أحد المقاهي العصرية في الحي الثاني في المدينة: “باريس دائماً ما تشلُّها الإضرابات، ونيويورك غالباً ما تتعطل فيها الأشياء. فإذا كنت ممن يسافرون كثيراً، فإن فيينا هي أفضل مكان ترجع فيه إلى بيتك”. وتجذب الاستثماراتُ في المدن النمساوية الرئيسية الأخرى؛ مثل غراز ولينز وسالزبورغ وإينسبورغ، الأجانبَ للعمل في الشركات والبنوك والجامعات. يقول ويليام هاتشينسون، وهو مواطن أمريكي يعيش في المدينة منذ عام 2013: “المشهد في فيينا هو مزيج من الشمال والجنوب، الشرق والغرب، ومصدر قوة للعديد من المغتربين”. ويتابع قوله: “إذا أردتَ القدوم إلى بلدٍ يحظى بنظام شمال أوروبا وأجواء جنوب أوروبا، وأخلاقيات عمل أقرب إلى الجنوب منها إلى الشمال، لتستمتع بحياة يومية مريحة، فهذا هو المكان الصحيح، فأنت لن تصبح بالضرورة عملاقاً مالياً، ولكنك لن تقلق بشأن دورة الازدهار والكساد الاقتصادية”.أحد أفضل مقاهي فيينا- “ماتادور نيتوورك”

تجذب مغريات فيينا نحو 25000 مقيم جديد سنوياً؛ ما يؤدي إلى رفع أسعار المنازل. فبين عامَي 2010 و2019 ارتفعت أسعار العقارات السكنية في النمسا بمعدل 73%؛ بسبب توليفة من انخفاض معدلات الفائدة والطلب المتزايد وفقاً لمكتب الإحصاء التابع للاتحاد الأوروبي “يوروستات”. وبلغ متوسط زيادة أسعار البيوت السنوية منذ عام 2016 نحو 5% بالمقارنة مع 3% في فرنسا. ففي فيينا بلغ متوسط سعر المتر المربع للشقة السكنية نحو 5,624 يورو في أواخر عام 2019، بينما وصل في سالزبورغ إلى 6,006 يورو.

ولكن مع ارتفاع تكاليف المعيشة في فيينا، فإنها تبقى أرخص من نحو ثُلثي مدن أوروبا الغربية، وفقاً لموقع “إكسباتيستان” المتخصص، بمقارنة تكاليف المعيشة؛ حيث يقدر الموقع تكاليف المعيشة الشهرية في أكبر المدن النمساوية بنحو 1,663 يورو للشخص الواحد، و3,330 يورو لعائلة من أربعة أفراد.

يقول السيد هاتشينسون إن القوانين القديمة بشأن التملك والإفصاح عن الحصص تجعل من الصعب الاستثمار في أي شيء بخلاف العقارات في النمسا، وهذا أيضاً أمر معقد.

فنظام الحماية الاجتماعية القوي في فيينا يجعل من الصعب على المرء أن يشتري عقاراً لتأجيره من أجل تحقيق عائد مادي، وذلك بسبب ضوابط بدلات الإيجار. ففي فيينا يعيش 80% من السكان في شقق مستأجرة، ويسكن نحو نصف مليون في بيوت تملكها البلدية؛ الأمر الذي يحافظ على انخفاض قيمة الإيجارات. ويضيف هاتشينسون مشيراً إلى نظام الإسكان الاجتماعي المدعوم: “لقد عشت في الدول الإسكندنافية، وفي أجزاء أخرى من أوروبا وفي الولايات المتحدة؛ لكن فيينا تحظى بتوازن تاريخي جميل، فهنالك منشآت رأسمالية حديثة تزحف في كل مكان؛ ولكنها تزحف على أسس اشتراكية تشكل حاجزاً أمام مساوئ الرأسمالية”.فيينا تعيد تعريف مفهوم السكن الاجتماعي- “ذا وورلد”

وقد عزَّز الوباء للكثيرين أحد الأسباب التي تجعل من النمسا مكاناً جيداً للعيش فيه، فمع أن إحدى بؤر الوباء المبكرة ظهرت في منتجع إيشغل للتزلج -الذي يجذب الكثيرين من عشاق التزلج من أنحاء أوروبا بأسعاره المنافسة لمثيلاته في جبال الألب السويسرية- إلا أن الحكومة نجحت في النهاية في الحد من انتشار المرض، وأصبحت النمسا من أُولى الدول الأوروبية التي رفعت إجراءات الإغلاق.

وتعزو السيدة تشايلدز نجاح الحكومة في رفع إجراءات الإغلاق إلى حقيقة أن “الناس في النمسا يثقون حقاً في حكومتهم”، وترى أيضاً أن طريقة الحكومة في التعامل مع الوباء قد عزَّزت هذه الثقة.

تعتمد النمسا على اليد العاملة الأجنبية لتحقيق النمو الاقتصادي، ففي عام 2019 كان نحو 40% من سكان فيينا من ذوي الأصول الأجنبية؛ ولكن في السنوات الأخيرة اتخذ مستشار النمسا السيد سيباستيان كورتز، موقفاً متشدداً من الهجرة؛ إذ رأى أن الهجرة غير الشرعية لا تقل خطراً عن مخاطر التبدل المناخي.

السيدة تشايلدز التي أسست مجلة “ميتروبول” بعد أن عملت لسنوات في وكالات إخبارية دولية، تقول: إن إجراءات الحماية الاجتماعية القوية تجعل من البلاد مكاناً جيداً للمغامرة بالبدء في عمل تجاري جديد. ولكن هذه الثقافة تقدم أشياء أخرى أيضاً. “النمساويون لديهم شغف شديد بكل ما هو جميل ولطيف؛ فهم يحبون ارتداء الملابس الأنيقة، وهنالك حفلات تناسب كل فئات المجتمع من الخبازين والصيادين، مروراً بالمحامين وتجار العقارات، ووصولاً إلى الجامعات، وحتى صناعة المقاهي”.

وتضيف مبتسمةً: “هنالك سبب دفع بيلي جويل للقول (فيينا تنتظرك) في إشارة إلى أغنية المغني الأمريكي التي تحمل اسم العاصمة”. ويتفق معها هاتشينسون في رأيها بجاذبية المدينة، فيقول: “مثل أي مغترب عادي، أنا لا أشعر حقاً بأنني في بيتي في أي مكان، ولكنني أشعر بارتياح هنا أكثر بكثير مما أشعر به في الولايات المتحدة، وأنا لا أفكر مطلقاً بمغادرة فيينا إلا إذا جاءني عرض مغرٍ للغاية في مكان آخر”.



وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات