ما بعد فيينا: هل تواجه النمسا وأوروبا موجة جديدة من الإرهاب؟

تواجه الدول الأوروبية عددًا من التحولات المتلاحقة والتهديدات المُتنامية في الآونة الأخيرة التي انعكست على حالة الأمن والاستقرار داخل المجتمعات، تجسد ذلك في الهجمات الإرهابية التي تمت على يد شباب متطرفين، نسبهم البعض إلى “الإسلام الراديكالي” باعتباره أيديولوجيا تسعى إلى خلق مجتمعات بديلة تُناهض القيم الغربية، فيما وصفتها القوى اليمينية بأنها أيديولوجيا تشن حربًا ضدهم. في المقابل، وظفت بعض القوى هذه التصريحات لخدمة مصالحها مثل تركيا التي استغلت ردود الفعل الأوروبية في سياق خلافاتها المتزايدة مع فرنسا ودعت إلى مقاطعتها، وهو ما تم رفضه وإدانته.

في السياق، جاءت الهجمات الإرهابية التي شهدتها العاصمة النمساوية “فيينا”، يوم الاثنين الموافق 2 نوفمبر 2020، التي بدأت بالقرب من أكبر كنيس يهودي في العاصمة، عندما قام عدد من المسلحين بإطلاق النار في ستة مواقع مختلفة، وأسفر عنه مقتل أربعة أشخاص على الأقل، وإصابة 16 آخرين، ولم يتم حتى الآن تحديد هل كان الكنيس هو المستهدف أم لا، ولم يتم تحديد دوافع الهجوم على نحو دقيق.

التعاطي مع الهجوم

أثار الهجوم حالة من التضامن والاستنكار والإدانة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ إذ وصف المستشار النمساوي “سيباستيان كورتس” الحادث بأنه “هجوم إرهابي بغيض”. مُغردًا عبر توتير: “إننا نمر بساعات صعبة في جمهوريتنا، مضيفًا أن الجيش سيتولى مسئولية حماية المباني الرئيسية في فيينا”. واستكمل قائلًا: “شرطتنا ستتصرف بحزم في مواجهة منفذي هذا الهجوم الإرهابي الشنيع.. لن نسمح لأنفسنا بالخوف من الإرهاب”. فيما أوضح وزير الداخلية النمساوي “كارل نيهامر” في مؤتمر صحفي في اليوم التالي للهجوم “شهدنا هجومًا مساء أمس من إرهابي إسلامي واحد على الأقل”.

ووصف المهاجم بأنه من المتعاطفين مع تنظيم “داعش”. وأن مهاجمًا واحدًا على الأقل ما زال هاربًا وما زالت الشرطة تبحث عنه، فيما قتل واحد واعتقل آخر. علاوة على تصريحه لوكالة الأنباء النمساوية بأن المهاجم الذي قُتل يبلغ من العمر 20 عامًا، ويحمل جنسية كل من النمسا ومقدونيا الشمالية، وحكم عليه بالسجن لما يقرب من 22 شهرًا، قبل أن يتم الإفراج عنه. مُضيفًا أن الشرطة قامت بمداهمة ما يقرب من 15 منزلًا، وتم اعتقال عدد من الأشخاص على صلة بالمهاجمين. فيما قامت الشرطة بفرض طوق أمني وحواجز حول المنطقة التي تم استهدافها، وحثت المواطنين على تجنب التواجد في مناطق وسط البلد، وعدم استخدام وسائل النقل العام.

وعلى الصعيد الدولي أدانت القوى الدولية الهجوم بشدة وعبروا عن تضامنهم مع الشعب النمساوي؛ حيث أشار الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى أن أوروبا يجب ألا “تستسلم” في مواجهة الهجمات، وأن الشعب الفرنسي يُشارك الشعب النمساوي الصدمة والحزن الذي أصابه بهجوم في قلب عاصمتهم فيينا بعد فرنسا. وأضاف: “يتعرض صديق لنا للهجوم. هذه أوروبا الخاصة بنا. يجب أن يعرف أعداؤنا مع من يتعاملون”. أما رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” فقد أكد على تضامنه وتعاطفه مع شعب النمسا، قائلًا: “نحن نقف متحدين معكم ضد الإرهاب”. كما وصف رئيس المجلس الأوروبي الهجوم بأنه “عمل جبان ينتهك قيم الحياة والإنسانية”.

فيما قامت الحكومة التشيكية باتخاذ عدد من التدابير الاحترازية تجنبًا لأي هجوم مُحتمل عليهم؛ حيث غردت المتحدثة باسم الشرطة التشيكية بأن “الشرطة باشرت عمليات تفتيش للسيارات والركاب عند النقاط الحدودية مع النمسا، بعد الهجوم الإرهابي في فيينا”. ومع استمرار عدم اتضاح نطاق الهجمات شدد وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” على “عدم الاستسلام للكراهية التي تسعى لاستهداف مجتمعاتنا”.

دلالات مُتشابكة

وفقًا للمعلومات الأولية حول هجوم فيينا الإرهابي، يمكن الإشارة إلى عدد من الملاحظات التي تقدم إطارًا لفهم ذلك الهجوم، وذلك على النحو التالي:
توقيت الهجوم: جاء الاعتداء قبل ساعات من فرض حالة الإغلاق العام الثاني في البلاد لاحتواء تداعيات أزمة الفيروس التاجي؛ حيث اجتاح الوباء كافة أنحاد البلاد، وأدى إلى زيادة الإصابات في محاولة للسيطرة على المشهد الوبائي حتى نهاية شهر نوفمبر، وستضمن القيود خطر تجول ليلي من الساعة 8 مساءً وحتى 6 صباحًا، وسيتم إغلاق صالات الألعاب الرياضية، والمتاحف والمسارح والفنادق أمام الجميع باستثناء بعض الحالات، مع إبقاء المتاجر والمقاهي والمطاعم مفتوحة، فقد تُقدم خدمة الوجبات السريعة فقط، أما المؤسسات التعليمية فستتحول المدارس الثانوية والجامعات إلى التعليم عن بعد فيما ستبقى رياض الأطفال والمدارس الابتدائية مفتوحة.
آلية التنفيذ: استهدف المهاجمون الضحايا بطلقات نارية، فوفقًا للشرطة كان المهاجم بحوزته بندقية آلية ومسدس وسكين، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول إمكانية امتلاك سلاح وحمله داخل البلاد؛ حيث تعد النمسا من دول الاتحاد الأوروبي التي تنظر إلى حمل السلاح لكونه يُعتبر دفاعًا عن النفس، فبدءًا من سن 18 عامًا يمكن للنمساويين امتلاك أنواع معينة من البنادق والبنادق نصف آلية للرياضة والصيد، إلا أنه يجب ترخيصها في غضون 6 أسابيع من شرائها، أما الأسلحة الآلية فهى محظورة وفقًا للحد الأدنى من المعايير المطبقة في الاتحاد. وقد ارتفعت حيازة السلاح في أعقاب أزمة اللاجئين.
استهداف الرموز: بالرغم من أن الكنيس كان مغلقًا أثناء الهجوم، وفقًا لـ”أوسكار دويتش” زعيم المجتمع اليهودي على توتير؛ إلا أنه يحمل رسائل تهديد غير مباشرة لبعض الطوائف، على غرار الهجمات التي تمت في باريس التي استهدفت أبرياء داخل كنيسة “نوتردام” في مدينة “نيس”، وأسفر عنها مقتل امرأة ورجلين. كما أنها تذكر بالهجمات التي شهدتها باريس في 2015-2016.
الجهة المسئولة عن الهجوم: من الملاحظ أن العمليات الأخيرة في أوروبا قام بها شباب، بعضهم كان متأثرًا ببعض الأفكار المتطرفة، والبعض الآخر لم تظهر عليه علامات التطرف، ولكن الأهم أنه لم تعلن أي من التنظيمات الإرهابية مسئوليتها عن تبني هذه الهجمات المتكررة، كما لم تصل التحقيقات إلى إثبات واضح لارتباط المهاجمين بمجموعات إرهابية.
نمط الهجوم الإرهابي: وبالنظر إلى الطريقة التي تم بها استهداف الضحايا فإنها تتشابه إلى حد ما مع ألعاب الفيديو التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وساهمت في انتشار العنف وآليات تنفيذه وفقًا للأوضاع الراهنة، الأمر الذي يُذكر بحادثة نيوزيلندا التي وظف خلالها المهاجم السياسات المرنة داخل البلاد لتنفيذ الهجوم.

ما بعد الهجوم

بالنظر إلى الهجمات المتكررة التي تشهدها العواصم الأوروبية، يتضح أن الحكومات تعاملت مع نتائج حالات الاعتداء دون البحث عن جذور الأزمة الحقيقية التي أدت لتعقيد المشهد الحالي؛ إذ تكمن في تنامي الدوافع والمحفزات التي تُغذي الأيديولوجيات المتطرفة، علاوة على استغلال بعض القوى الدولية الغضب والانقسامات المجتمعية في الداخل الأوروبي لترويج أفكارها العدائية لتأجيج الوضع الداخلي.

كما يُعد الهجوم حلقة جديدة في سلسلة الاعتداءات التي تتعرض لها الدول الأوروبية، في سياق حالة الجدل المثارة حول العلاقة بين المسلمين والمتطرفين، ومن المستهدف من السياسات التي ستتخذها الدول لمواجهة “الانفصالية الانعزالية” التي تنتهك مبادئ المجتمعات الغربية القائمة على ترسيخ حرية التعبير ونبذ تقديس الدين، مقابل الالتزام بميثاق العلمانية.

لذا، من المتوقع أن تكون هذه الهجمات بداية لموجة جديدة من الاعتداءات، من قبل المتطرفين ردًّا على الخطاب السياسي المعادي لهم، مقابل انتهاج قوى اليمين المتطرف والجماعات الشعبوية سياسات مناهضة للقادة الأوروبيين، رافضةً لتعاطيهم مع الأزمات الحالية التي زادت تعقيدًا بالتزامن مع أزمة “كوفيد-19”. كما ستنعكس هذه الأوضاع على اللاجئين والمهاجرين في إطار حالة الإغلاق التي اتخذتها بعض الدول، والتدابير الأمنية الاحترازية على الحدود بين الدول.


وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات