عبد الكريم البليخ: المهاجرون في الدول الأوربية.. والمغامرة الخاسرة: والسوريون تحديدا

ودّعنا الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن أقمنا فيها فترة متواصلة لا بأس بها، للحاق بركب الدول الأوربية، مع بداية اندلاع الثورة السورية وما خلفته من نتائج صادمة للقاصي والداني، ما دفع بأعداد كثيرة من السورين إلى الهجرة القسرية واللجوء إلى الدول الأكثر أمناً، لا سيما أنها أكثر قرباً من البلد الأم سوريا، قياساً بفارق الزمن الكبير مع القارة الأميركية التي تفصل عنها نحو سبع ساعات بين أوربا وأميركا، بالنسبة للولايات القريبة من المحيط الأطلسي وتمتد حتى كندا، ومنها: نيويورك، بنسلفانيا، نيوجرسي، فيرجينيا، كارولينا الشمالية والجنوبية، جورجيا، وفلوريدا، فضلاً عن الولايات التي تقع على ساحل المحيط الهادي للولايات الأميركية، وقد يصل فارق الزمن إلى نحو تسع ساعات وأكثر، وتتكون من خمس ولايات كواشنطن، أوريجون، كاليفورنيا، ألاسكا، وهاواي.. ناهيك بولايات الوسط الأميركي كآيوا، أوهايو، الينوي، إنديانا، لويزيانا، كانساس، كنتاكي، كولورادو، ميزوري، ميشيغان، مينيسوتا، ونبراسكا.

وشاءت الأقدار السفر خارج الولايات الأميركية بعد قضاء سنوات متقطعة في الإقامة في عدد من ولاياتها، والتوجه إلى النمسا التي تمثل إحدى الدول الأوربية التي تعد أفضلها أمناً وقرباً إلى القلب، بخلاف غيرها، حيث تتمتع بطبيعة خلابة ساحرة وعشق لا ينتهي، وحياة هادئة وأكثر دفئاً.

إنّ الكلمات التي تتردّد على ألسنة زوّار مدينة فيينا وعشّاقها، يرافقها بريقٌ ساطعٌ في العيون، وشوقٌ هائجٌ في القلوب والأرواح… كيف لا، والمدينة أسطوريّة الجمال بكلّ ما فيها؛ بماضيها العريق وحاضرها الطموح، وبسلاستها في الموافقة والجمع بين تراثٍ عمرُهُ قرون طويلة وحاضرٍ شغوفٍ متلهّفٍ إلى المستقبل.

إنَّ زيارة العاصمة النمساوية، فيينا، كالارتحال عبر الزمن، والعيشُ فيها كالحياة في نعيمٍ دنيوي خالص. إنّ في فيينا من متعة العيش، وفنون الحياة ما يعجز الإنسان عن البقاء حياديّاً جامداً في حضرته، كلّ شيء من البنايات الأنيقة، إلى الحفلات الراقصة التقليدية، إلى ذكرى موزارت وبيتهوفن التي لا تزال تعبق بها المدينة يضفي على الحياة في فيينا بريقاً خاصّاً، وإحساساً يشبه الحلم. وفي هذا نتساءل:

هل نحن مقتنعون بهذه النتيجة؟! وهل أوربا تختلف عن أميركا، وبماذا تختلف؟ وما هو وجه الخلاف في ما بينهما؟ وهل نحن راضون بكل هذه المعطيات؟ وبعد كل الذي حدث، وإن حصلنا على جنسية أية دولة أوربية، أو حتى جنسية الولايات المتحدة الأميركية، العملاق الاقتصادي الضخم، هل ينسينا هذا حبنا وولاءنا لبلدنا؟!

وهل نحن مقتنعون بالغربة أصلاً، كغربة والبعد عن الأهل والأحبّة والديار، وجلسات “الحارة” الساخنة، بأحاديثها الجانبية، وسلام المارّة، وتحية مفعمة بالحب لذلك الشيخ، ولتلك العمّة ولهاتيك الخالة، وذاك الطفل..

لا أظن أنَّ الحصول على جنسية أي بلد، يمكنها أن تلفظنا عن بلدنا، وتبعدنا عنه. ذاك البلد المفعم بالخيرات، وبالليالي الملاح، الذي ترك في قلبنا غصّة، وغصّة لها عنوانها العريض والتي تركت انطباعاً قلّ مثيله، لمن يعرف سورية وعاش فيها، وشرب من ماء بردى والفرات.

وعلى الرغم مما نحن فيه اليوم، من بهرجة الإقامة، والتفاخر بها من قبل الغالبية من المغتربين ــ المهجّرين الذين سبق أن حصلوا عليها، وممن ينتظرون، والأحاديث الجانبية التي لا ينفكُّ مجلساً محلياً في مدينة الرَّقّة الفراتية، أو في غيرها من المدن السورية، والحديث الرئيس يوصف واقع المغتربون وأحوالهم، والحال الذي قضوه، بعد أن عانوا ما عانوا من قهر وحرمان وضياع وقت طويل من أجل الوصول الى ما يسمى بدول النعيم، مثال: ألمانيا، فرنسا، هولندا، النمسا، السويد، بريطانيا، الدنمارك، ايطاليا، اسبانيا، فنلندا، وغيرها كثير من الدول الأوربية، ناهيك بالأموال التي صرفت وخصصت من أجل السفر إلى هذه الدول، وتعرّض المغامر للموت المحقّق، وفوق ذلك المعاناة التي تمخض عنها تلك المغامرة العاصفة، علاوة على تأمين المبالغ الضخمة التي تتطلب لهذه المغامرة الخاسرة!.

هي مغامرة خاسرة، بكل الأحوال. لأنه، ومن خلال لقائي أعداد من هؤلاء المغامرين، فانَّ ما صرف لقاء الوصول إلى هذه الدول من مبالغ مالية فاق الـ 6 آلاف يورو للشخص الواحد، ومنهم من دفع لقاء وصوله إلى تلك البلاد الذهبية الــ 12 ألف يورو ونيّف، بعيداً عن المعاناة التي تجاوزت الأشهر الـستة، قضوها بين الغابات والعواصف والرياح والأمطار، ومخاطر البحر، والموت الزؤام.

عبد الكريم البليخ صحافي سوري مقيم في النمسا

إرسال تعليق

0 تعليقات