مقال رأي :هل تغاضت النمسا عن هجوم "داعش" لتستغله في حملة ضد "الإخوان" و"حماس"؟

حدثان لا يمكن الفصل بينهما ربما يفسران سر الحملة التي شنتها حكومة النمسا اليمينية المتطرفة، أمس الإثنين، على من 60 شقة ومنزلاً ومقراً تجارياً ونادياً وجمعية، في 4 ولايات مختلفة (ستيريا وكارينثيا والنمسا السفلى وفيينا)، أصحابها على ارتباط بالإخوان المسلمون وحركة "حماس" الفلسطينية وتمت القبض على 30 شخصاً لاستجوابهم.

الحدث الأول: هو قيام إرهابي من تنظيم "داعش" بهجوم وسط العاصمة فيينا، يوم 2 نوفمبر الجاري، أدى لقتل 3 مدنيين إضافة إلى الإرهابي، ثم كشف المديرية العامة للأمن التركي أنها سبق أن اعتقلت الإرهابي كوجتيم فاجزولاي حامل الجنسية النمساوية، منفذ هجوم فيينا الأخير، وزودت النمسا بوضعه الأمني عند ترحيله إليها، ولكن السلطات النمساوية تركته حراً طليقاً حتى قام بعمليته الإرهابية الأخيرة!

الحدث الثاني: هو قيام الحكومة اليمينية في النمسا المؤلفة من "حزب الحرية" المتطرف اليميني، و"حزب الشعب"، برئاسة المستشار النمساوي الحالي زيباستيان كورتس، بتعديل "قانون حظر الرموز"، في مارس 2019، ليضم شعار الإخوان المسلمين (المصحف والسيفان)، وحركة "حماس" الفلسطينية، وتصنيفهما "إرهابية".

وهذا يفسر قول مكتب المدعي العام النمساوي: إن المداهمات تمت بعد "تحقيقات مكثفة استمرت أكثر من عام" من قبل هيئة حماية الدستور ومكافحة الإرهاب (الاستخبارات الداخلية).

وتأكيد صحيفة "دي برسه" النمساوية واسعة الانتشار أن هذه المداهمات الأخيرة كانت قيد التحضير لمدة عامين، واستهدفت جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها "منظمة راديكالية هدفها هو إقامة دولة إسلامية"، بحسب اتهام النيابة النمساوية للموقوفين بناء على قانون "حظر الرموز".

القصة إذن أنه رغم أن النمسا عدلت القانون عام 2019 وحظرت، ضمناً، نشاط جماعة الإخوان المسلمين العلني على أرضها، بعدما صنفتها (مع "حماس") كمنظمة إرهابية، فلم يؤثر هذا كثيراً على نشاط مسلمي النمسا المنتمين فكرياً لجماعة الإخوان، والمنخرطين في أنشطة مجتمع مدني شرعية علنية.

ولكن الحكومة اليمينية، المعادية للإسلام ومسلمي النمسا، لا الإخوان فقط، استغلت هجوم فيينا (الذي كانت تعلم بخطورة منفذه من تركيا) لتشن حملتها الأخيرة على مقرات وأندية ومنازل، أصحابها على ارتباط بجماعة الإخوان أو حركة "حماس"، وتمارس حملة إعلامية معادية لهم على غرار الحملات التي تشنها أنظمة عربية معادية لـ"الربيع العربي" والإخوان، والأغرب أنها قالت: إن المداهمات لا علاقة لها بهجوم فيينا رغم أنها ربطت بين الإخوان و"حماس" والإرهاب!

حتى إن وزيرة الاندماج النمساوية، سوزان راب، خرجت تكرر ما يقوله الإعلام العربي المعادي للإخوان، وتزعم أن "فيينا وجهت ضربة موجعة للإخوان، وداهمت 60 هدفاً مرتبطاً بالجماعة الإرهابية"!

وقالت راب، في تصريحات صحفية: بهذه الضربة الموجهة للإخوان المسلمين، نثبت أننا جادون في محاربة الأيديولوجيات المتطرفة والراديكالية، وتابعت: لن نسمح بنشر الأفكار المتطرفة في النمسا.

أيضاً قال وزير الداخلية كارل نيهامر، لصحيفة "كرونه" النمساوية الخاصة: إنه بفضل العمل المكثف الذي قام به ضباط الشرطة، نجحنا في توجيه ضربة قوية لجمعيات متطرفة.

ما قصة قانون الرموز؟

عقب الحرب العالمية الثانية، حظرت النمسا رموز "الاشتراكية القومية" النازية، وأصدرت ما يعرف بـ"قانون حظر الرموز" لعام 1947، ولاحقاً تم إضافة وحظر استخدام الرموز المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" عام 2014.

وعام 2019 عدلت حكومة يمينية مؤلفة من حزب الحرية المتطرف اليميني وحزب الشعب المعاد هيكلته برئاسة المستشار النمساوي زيباستيان كورتس، قانون حظر الرموز في مارس 2019 ليضم بذلك شعار الإخوان المسلمين، وحركة "حماس" الفلسطينية، والجناح العسكري لـ"حزب الله" اللبناني، ومنظمة "الذئاب الرمادية" القومية التركية، ومنظمة "أوستاشي" الكرواتية، والمنظمات التي يصنفها الاتحاد الأوروبي بأنها إرهابية.

وتدعي الحكومة النمساوية أن "رموز وإشارات المنظمات المذكورة في القانون المعدل تتعارض مع الدستور وتتناقض مع قيمنا الديمقراطية الأساسية"، بينما الواقع يخالف ذلك، فهناك منظمات إرهابية وغير إرهابية أوروبية مدرجة في هذه القائمة الجديدة، ومنظمات متطرفة بيضاء لها العديد من الصلات بالحزب الحاكم، مثل "حركة الهوية"، لم يتم ذكرها في هذا القانون على الإطلاق أو حظرها!

وقد كشف التفسير الرسمي لهذا القانون من قبل المشرعين النمساويين أن حظر رمز جماعة الإخوان لا يستهدف الجماعة نفسها، بل منظمات المجتمع المدني المسلمة التي تنتقد الحكومة لسياساتها المناهضة للمسلمين.

فقد استند التفسير النمساوي إلى تقرير كتبه باحث إيطالي متخصص في عالم "الفكر المناهض للمسلمين"، وهو "لورنزو فيدينو" الذي يستهدف بشكل منهجي أكثر منظمات المجتمع المدني الإسلامية تأثيراً في جميع أنحاء أوروبا بهدف تجريمها واستبعادها من المجال العام.

حيث زعم لورينزو فيدينو في دراسته التي تمت بالتعاون مع معهد فيينا لدراسات الشرق الأدنى وبدعم من تمويل صندوق التكامل النمساوي، حول وجود الإخوان المسلمين في النمسا، أن "النمسا أصبحت حاضنة العمليات المالية للإخوان المسلمين في أوروبا".

وقال: إن الإخوان أسسوا "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، واعتبروها مظلةً لجميع الكيانات الواقعة تحت تأثير الإخوان في أوروبا، جنبًا إلى جنب مع منظمة "كليغا كولتر فيرين" النمساوية القريبة من الإخوان، ولكنه زعم أنهما يقودان آليات جمع الأموال من الجاليات الإسلامية.

كما زعم الباحث الإيطالي أن الكثير من مديري الشركات البريطانية هم أعضاء بارزون في جماعة الإخوان ويتخذون من النمسا مقرًا لهم، مثل عبدالرحمن الأبياري، وعايدة خليفة، زوجة عبدالعزيز خليفة (عضو الإخوان البارز في النمسا، صديق يوسف ندا).

ومع أنه اعترف في دراسته أن "الإخوان يؤدون دوراً كبيراً في تقوية الإسلام في المجتمع النمساوي كما في باقي المجتمعات الأوروبية، ويسعون لتحقيق أهداف سياسية"، فإنه زعم أن جماعة الإخوان المسلمين "تستخدم العنف في الحالات التي يعتقدون فيها أن المسلمين يتعرضون للتهديد أو الاحتلال"، دون دليل سوى ادعاء "قيام قادة وفروع جماعة الإخوان المسلمين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك النمسا، بتمويل كيانات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، مثل حركة حماس"، دون توضيح أن "حماس" حركة تحرر وطني تسعي لتحرير أرضها المحتلة كما فعلت النمسا نفسها مع المحتل النازي، وبالتالي فقتالها الصهاينة ليس إرهاباً وإنما نضال سياسي.

وبناء على هذه الدراسة، طالب الباحث السلطات النمساوية بإجراء مراجعة داخلية للجماعة، وبموجب ما كتبه، تحركت الشرطة النمساوية وألقت القبض مؤخراً على 30 شخصاً، تزعم صحف فيينا أنهم يجمعون أمولاً لصالح "حماس" لتحارب "إسرائيل"، وتزعم أنهم بذلك يمارسون "إرهاباً" ضد الدولة الصهيونية!

وسبق أن أعلنت الحكومة النمساوية أنها ستطبق تشريعًا جديدًا صيف عام 2019 لقمع ما تسميه "الإسلام السياسي"، في محاولة على ما يبدو لتقليص دور منظمات المجتمع المدني الإسلامية في الحياة السياسية النمساوية.

اتهامات ذات طابع صهيوني

يفسر ما سبق طبيعة الاتهامات التي وُجهت لمن تم القبض عليهم وقيل: إنهم ممن لهم ارتباطات بالإخوان و"حماس"، إذ إن التهمة ذات طابع صهيوني حيث يعتبرون نشاط "حماس" "إرهاباً" لا "حركة تحرر وطني" لأرض فلسطين المحتلة.

فقد نقلت صحيفة "دير ستاندرد" النمساوية الخاصة عن مصادر أمنية زعمها أن "التحقيقات تجري مع المشتبه بهم بشأن الانتماء لمنظمات إرهابية، وتمويل الإرهاب، والقيام بأنشطة معادية للدولة، وتشكيل تنظيم إجرامي وغسيل الأموال".

والغريب أن مكتب المدعي العام النمساوي زعم أنه "حتى لو تحدث الإخوان في العلن عن نبذ العنف، يعتقد المحققون أن الجماعة تحافظ على اتصال مع الجماعات الإرهابية، مثل منظمة "حماس" الفلسطينية"، في إشارة لتصنيفهم نشاط المقاومة الفلسطينية على أنه "إرهاب".

ولكنه زعم أن "هذه الإجراءات ليست موجهة ضد المسلمين، لكنها تهدف لحماية المسلمين الذين يتم استغلالهم لنشر أيديولوجيات مناهضة للدستور".

ويزعم مكتب المدعي العام النمساوي أن "حماس" تأسست عام 1987 كفرع من بتنظيم الإخوان، هدفها تدمير دولة "إسرائيل" وإقامة دولة إسلامية وعاصمتها القدس، ويقول: إن إستراتيجية تنظيم "حماس" هذه جزء من الإستراتيجية الشاملة بتنظيم الإخوان.

القصة بالتالي تتلخص في سعي الحكومة اليمينية المتطرفة في النمسا للتضييق على أنشطة مسلمي النمسا وجمعياتهم العاملة في مجال المجتمع المدني، التي يقودها قريبون من فكر جماعة الإخوان المسلمين، أو فلسطينيون تصنفهم السلطات على أنهم تابعون لحركة "حماس".

وأنهم وجدوا ضالتهم في قانون "حظر الرموز" القديم الذي أضافوا له شعارات الإخوان و"حماس" وغيرها العام الماضي، وحين حانت الفرصة بهجوم "داعش" الإرهابي الأخير في فيينا، تركوا الإرهابيين، واتجهوا لمداهمة المقرات والمنازل والجمعيات الإسلامية بدعاوى أنها مقرات إرهابية تجمع الأموال وتتبنى العنف، رغم سعي السلطات النمساوية للحوار مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في النمسا في سنوات سابقة "من أجل تجنب تعزيز التطرف في المجتمع".

بعبارة أخرى، يستغل التحالف اليميني المتطرف الحاكم "شماعة الإخوان" كوسيلة لضمان نجاح بعض تياراته السياسية النمساوية في الانتخابات.


وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات