مقال رأي : ثقافة التسامح ودرس ناتاشا النمساوية

ليس الألم دائما ما نشعر به ونحن نواجه ما يوجعنا ولكن الألم الحقيقي هو أن لا تجد بابا للخروج من الألم هكذا تكلم نيتش وعاود كلامه الكثيرون ولعل الأقوى من الألم هو القدرة على التجاوز والنسيان والتسامح وتلك جبلة من تربوا على ثقافة عالية المنسوب فاليابان تجاوزت ألمها من آثار قنبلتي هيروشيما وناغازاكي وفتحت ذراعيها للتعاون مع أمريكا وألمانيا تجاوزت ألمها من الحقبة النازية وما نتج من مخلفات وعقوبات دولية لذلك صارت كل من اليابان وألمانيا من القوى المنافسة اقتصاديا لأنهم فقط الفاشلون لا يستطيعون تعلم ثقافة التسامح والتجاوز إنهم يقبعون في لحظة حقد دفينة تعيق تقدمهم وتكبل قدرتهم على التطور وفي التجارب الفردية لا يمكن أن نغفل قدرة وقوة نيلسون مانديلا على التجاوز والتسامح مع من نكلوا به سنوات طويلة لم ينم في قبر الحقد بل فتح يده لذلك تمكن من تطوير شعبه ونقله من بلد يقبع تحت وطأة اللابرتايد إلى بلد راق متطور اقتصاديا ومنافسا وعلى غرار مانديلا تستوقفني تجربة فريدة ودرس عظيم لمن يعي ويعتبر من التاريخ والتجارب الماضية ونعني بها تجربة ناتاشا ماريا كامبوش Natascha Kampusch الفتاة النمساوية التي اختطفت لمدة 3096 يوما أعطت درسا للعالم والتاريخ في التسامح بنت العشر سنوات والتي اختطفت سنة 1998وتعرضت للتعذيب والاغتصاب لما يقارب من 10 سنوات من طرف فولفجانج بريكلوبيل الذي اعترض سبيلها وهي متجهة إلى مدرستها في مدينة فيينا ممتطيا ميكروباس بيضاء عارضا عليها إيصالها إلى مدرستها.. وفي الحقيقة هي حملت إلى مدرسة أخرى عبارة عن قبو سطحه عازل للصوت ومعزز ببابين من الفولاذ السميك قبو بلا نوافذ أشبه بالقبر ولكن القبر أرحم.. بنت العشر سنوات ناتاشا كانت ممنوعة في الستة أشهر الأولى من مغادرة القبو بل وكانت مجبرة على تقبل أشكال من الاغتصاب لم تعرف البشرية لها مثيلا حيث يقترن الاغتصاب بالتعذيب لدرجة تكيف فيها جسدها مع نمط التعذيب إذ صارت حركاتها طوعية كأن تمد يدها لحظة عليها أن تجلد.. ما عانته البنت لمدة تناهز العشر سنوات ليس بالأمر الهين إذ حرمت من طفولتها كاملة بما فيها من دراسة ولكن رغبتها في الحياة كانت أكبر حيث تعلمت وهي في أسرها بل وأتقنت حتى اللغة الإنجليزية بشكل ملفت، ناتاشا التي تمكنت من الهرب من الرجل الذي حرمها أحلى أيام عمرها والتجائها لجارة عجوز أخبرت الأمن وخلصتها منه وهو الذي ارتمى أمام قطار متحرا لأنه يعلم جيدا هول ما فعل وهول ما سيحصل له من المجتمع والقضاء، ناتاشا التي أبهرت الشرطية الأولى التي استجوبتها بعمق ذكائها سامحت فولف جانج ولم تفوت زيارته في المشرحة وبالرغم من تعاطف الجميع معها حيث تكفلت الدولة بمصاريف دراستها والخطة العلاجية التأهيلية لإسعافها بما فاتها من سنوات تعليم وضياع من أيام عمرها ناتاشا صارت وجها مجتمعيا ومنشطة تلفزية وكاتبة سيناريو وأول فلم كتبته شريط «3096 يوم» والذي أنتج سنة 2013 وأحرز نجاحات لا توصف لم تطالب بتعويض مادي بالرغم من كون محبيها تجمعوا واشتروا البيت الذي عانت فيه وأهدوه لها لأنها كانت دائما ترغب في زيارته وتنظيف القبو مثلما كانت تفعل كلحظة إلهام واستحثاث لهمم القوة لديها.

ناتاشا البنت التي عانت ما لم يعانيه أحد في مجتمعات اعتقدت أنها متحضرة لدرجة أنه لا يمكن أن يتوقع حدوثه في مجتمعات وصل بها الاعتداد بالذات إلى درجة نسيان أن الجريمة ليست حكرا على العالم الثالث وإنما هي غير عابئة بتصنيف المجتمعات وناتاشا لها من القدرة على التجاوز ما لا يمكن أن يقبله عقل لذلك فهي تسير إلى الأمام وتسجل النجاح تلو النجاح ناتاشا تقدم درسا لبعض الشعوب العربية التي ترفض التسامح مع نفسها والتاريخ وإعادة كتابة تاريخ آخر بلا حروب أو دمار لمستقبل أجيال بقيت بعد أن هجرت غيرها من سنة 1948 والحكاية تستمر..



الهادي التليلي


وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات