دروس عملية فيينا.. لماذا أخفقت أوروبا في مواجهة الإرهاب المحلي؟

دروس عملية فيينا.. لماذا أخفقت أوروبا في مواجهة الإرهاب المحلي؟

أعاد الهجوم الذي شنّه “كوجتيم فيزولاي” بوسط فيينا في ٢ نوفمبر ٢٠٢٠، الاهتمام إلى مخاطر تنامي الإرهاب المحلي في أوروبا، خاصةً في تلك الدول التي استطاع تنظيم داعش تكوين شبكات له داخلها. وكذلك تم تسليط الضوء على صعوبات إعادة تأهيل الإرهابيين العائدين من ميادين القتال أو المدانين بالإرهاب بعد إطلاق سراحهم.

ووفق الدراسة التي أعدها كل من “يوهانس سال” و”فيليكس ليبي”، والتي حملت عنوان: The Network of the November 2020 Vienna Attacker and the Jihadi Threat to Austria، والتي نُشرت في مركز مكافحة الإرهاب Combating Terrorism Center، لم يحظ التهديد الإرهابي المحلي باهتمام عالمي قبل هجمات النمسا، على الرغم من تاريخ النمسا كـ”بيئة مُغذية للإرهاب والتطرف”.

فبعد العمليات في كل من فرنسا وألمانيا والنمسا، ركّز الإعلام على مخاطر الجيل الجديد الذين يتصرفون بشكل مستقل، أو على الأقل بروابط فضفاضة مع التنظيم الرئيسي في سوريا والعراق.

وعلى الرغم من عدم وجود دليل قاطع على انضمام فيزولاي إلى تنظيم داعش، فإنه كان من المتعاطفين مع التنظيم، وحاول الانضمام إلى ميدان القتال وتكوين شبكة من المقاتلين الأجانب عابرة للحدود.
هجوم فيينا
انتشار نمط الإرهاب المحلي

نشأ فيزولاي في بيئة راديكالية مغذية للتطرف في النمسا، بدأت في التسعينيات، وأصبحت مركزًا لتجنيد مقاتلين أجانب لتنظيم الدول، وقد اتبع استراتيجية التنظيم التي تم الإعلان عنها بعد اغتيال أبو بكر البغدادي وسقوط الخلافة، إذ أطلق التنظيم على لسان المتحدث الرسمي “أبو محمد العدناني” دعوات إلى تابعيه في مختلف أنحاء بمهاجمة أوطانهم بدلًا من السفر إلى دولة الخلافة، قائلًا:

“أصغر عمل تقوم به في قلب بلادهم، هو أفضل وأكثر ديمومة بالنسبة لنا مما كنت ستفعله لو كنتم معنا”.

يمكن أيضًا ملاحظة هذا التحول الاستراتيجي فيما يتعلق بأعضاء التنظيم الإرهابي في الدول الغربية، خاصةً عبر القنوات الدعائية الرسمية وغير الرسمية الناطقة باللغات الأوروبية على منصات تليجرام، وهو ما حذّر منه منسق مكافحة الإرهاب داخل الاتحاد الأوروبي “جيل دي كيرشوف” في أغسطس ٢٠٢٠ من أنه: “يجب أن نظل يقظين بشأن تهديدات داعش في أوروبا، فالتهديد لا يأتي فقط من الأفراد الذين استلهموا الدعاية من خلال الإنترنت، بل أيضًا من الشبكات التي تعمل بشكل مستقل”.

وقد حدّدت وثائق مُحاكَمة فيزولاي ما هو معروف عن الهجوم ومُنفِّذه وكذلك شبكة اتصالاته بالإرهابيين داخل النمسا وخارجها، وهو ما يؤكد ضرورة بذل مزيد من الجهد لرسم خرائط للشبكات الإرهابية وتتبعها، إذ يؤكد استمرار وجود عدد كبير من المتطرفين والإرهابيين داخل النمسا، وأنهم على اتصال بالآخرين في أوروبا، أي إن النمسا وغيرها من الدول الأوروبية تواجه خطر التعرض لمزيد من العمليات الإرهابية.

وتؤكد عملية فيزولاي أن الإرهاب المحلي يعتمد بشكل رئيسي على دور البيئة والروابط الاجتماعية المغذية للتطرف والإرهاب، وكذلك دور الشبكات في نشر المفاهيم الأيديولوجية وتعبئة الموارد المغذية لهذا النمط، بالإضافة إلى التهديد الناتج عن أولئك المتطرفين الذين فشلوا في الانضمام لداعش، بجانب صعوبات إعادة تأهيل الإرهابيين العائدين من هناك بالفعل، إذ تشير الأرقام إلى أن الأفراد الذين حاولوا الانضمام إلى تنظيم داعش أو جماعات أخرى في سوريا والعراق مسؤولين عن ٢٥ هجوما وعملية إرهابية في أوروبا خلال الفترة ما بين يناير ٢٠١٤ إلى يونيو ٢٠١٩.

كذلك تُوضِّح حالة فيزولاي أن إعادة تأهيل المتطرفين والإرهابيين ليست عملية خطية، ويمكن أن تحدث تحولات وتقلبات مفاجئة في درجة ارتباط الأفراد في أوروبا بالشبكات الراديكالية، فعلي الرغم من تعاون فيزولاي أثناء وبعد فترة سجنه -على إثر محاولة الانضمام الي جماعة إرهابية، في مرحلة ما قبل تنفيذه العملية في نوفمبر 2020- كانت هناك العديد من العلامات التحذيرية التي تشير إلى أنه قد عاد للانخراط بين الجماعات الجهادية مرة أخرى، وأنه لم ينسحب منها بالفعل، إذ بدأ بالانخراط مرة أخري مع الإرهابيين الشباب من فيينا وألمانيا وسويسرا في فبراير ٢٠٢٠.
نصب تذكاري لضحايا هجوم فيينا الإرهابي في 6 نوفمبر 2020
دلالات عملية فيينا

تشير الدراسة إلى أن عملية فيزولاي في النمسا تحمل العديد من الدلالات الهامة، والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

سيولة الحدود وتضارب قوانين حمل السلاح:

إن سهولة التنقل بين الدول الأوروبية تساعد العديد من شبكات التطرف والإرهاب على الارتباط والاجتماع والتنسيق بين أفرادهم ونظرائهم في الدول الأخرى، إذ تكشف عملية فيينا عن اجتماع فيزولاي مع عدد من الجهاديين من ألمانيا وسويسرا قبل وقت قصير من تنفيذ عمليته.

كذلك فإن اختلاف القوانين الخاصة بحمل الأسلحة في عدد من الدول الأوروبية، يساعد في تسليح ونقل الذخائر بين شبكات المتطرفين والإرهابيين في الدول الأوروبية.

إخفاق تعقب الإرهابيين:

تشير عملية فيينا إلى إخفاقات كبيرة من جانب السلطات والأجهزة الأمنية في تعقب شبكات المتعاطفين مع التنظيمات الجهادية، إذ كان فيزولاي جزءًا من شبكة عابرة للحدود من المتعاطفين والمتطرفين، وقد أُدين بعضهم أو اُشتبه في ارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب.

ففي يوليو 2020، أبلغت الشرطة السلوفاكية الشرطة الجنائية الفيدرالية النمساوية (BKA) بمحاولة فيزولاي شراء ذخيرة من متجر أسلحة في براتيسلافا، لكنه فشل لأنه لم يتمكن هو والشخص الذي رافقه من تقديم رخصة أسلحة نارية، ووفقًا لملفات التحقيق، أرسل مكتب التحقيقات الفيدرالي التحذير إلى وكالة الاستخبارات المحلية النمساوية BVT، التي أعدت مع السلطات في فيينا “إجراءات إضافية” ضد فيزولاي لكنها لم تنفذها أبدًا بسبب انشغالها في قضايا أخرى. كذلك لم تحلل BVT أبدًا الملاحظات التي تم إجراؤها في اجتماع فيينا في يوليو 2020 بين فيزولاي وجهاديين من ألمانيا وسويسرا قبل وقت قصير من فشل شراء الذخيرة.رجال شرطة في موقع حادث فيينا

صعوبة تبادل المعلومات بين الأجهزة:

يؤدي التأخر في تبادل المعلومات والتنسيق بين أجهزة المعلومات المختلفة في الدول الأوروبية الي صعوبة تعقب الإرهابيين والمتطرفين، وهو ما أثبتته عملية فيزولاي، إذ خلصت التحقيقات إلى تأخر تقارير المراقبة لوكالة BVT والوكالات الأخرى وتضاربها فيما بينها من حيث تقييم خطورة فيزولاي، فبعضها قيّمه على أنه شديد الخطورة، والبعض الآخر رأى أنه متوسط الخطورة، وجهات أخرى أكدت عدم قدرته على القيام بعملية إرهابية.

وقد أثبتت التحقيقات أن شبكة فيزولاي كانت في السنوات السابقة للهجوم مشهورة بتورطها في تجنيد المقاتلين الأجانب، ويمكن تصنيف عدد كبير من الأفراد في هذه الشبكة، بمن فيهم مُنفِّذ هجوم فيينا، على أنهم “مسافرون جهاديون مُحبطون”، ولم يتضح بعد ما هو الدور -إن وجد- الذي لعبته هذه الشبكة في الاستعدادات لهجوم فيينا.

ضعف هياكل وكالات مكافحة الإرهاب:

إن مسار فيزولاي من مقاتل أجنبي فاشل حُكم عليه لمحاولته الانضمام إلى تنظيم داعش، إلى أن أصبح مُنفِّذ هجوم إرهابي في العاصمة النمساوية، يُظهر أن جهود النمسا في نزع التطرف وفك الارتباط بعيدة كل البعد عن الكمال، على الرغم من أن برنامج ديراد Derad الخاص بفك الارتباط ومكافحة التطرف العنيف، الذي قدّم المشورة لأكثر من 140 شخصًا تم سجنهم بسبب جرائم ذات صلة بالجهاد منذ عام 2016، زاد عدد موظفيه من اثنين إلى 13 في السنوات الأربع الماضية، أي إن الموارد المُخصَّصة لإزالة التطرف وفك الارتباط لا تزال غير كافية.

وقد خلصت دراسة أجريت في عام 2017 إلى أنه يجب إضفاء الطابع المهني على برامج مكافحة التطرف في النمسا، وتوسيع نطاقها، من أجل تفكيك التحديات التي تواجهها.
داعش النمسا
الدروس المستفادة من عملية فيينا

لا يزال من المُقلِّق أن شخصًا أُدين بالانتماء إلى منظمة إرهابية وكان جزءًا من برنامج مكافحة التطرف، تمكن من تنفيذ هجوم، ويزداد الأمر سوءًا نظرًا لأن وكالات الأمن الأجنبية والسلطات النمساوية كانت على علم بصلات فيزولاي بأعضاء الحركة الجهادية في ألمانيا، وكذلك محاولته الحصول على ذخيرة بعد إطلاق سراحه من السجن.

لذلك قدّمت الحكومة النمساوية مشروع قانون لمكافحة الإرهاب في أعقاب الهجوم، والذي يتضمن، من بين أمور أخرى، جريمة قانونية جديدة: “الارتباط المتطرف بدوافع دينية”.

ومع ذلك، وبالنظر إلى ما هو معروف حتى الآن عن قضية فيينا، فقد كان من الممكن منع الهجوم باللجوء إلى القوانين القائمة، فالإجراءات المُتضمنة في هذه القوانين، مثل المراقبة المكثفة والاعتقال، كان من الممكن أن تمنع الهجوم، وذلك إذا كان تقييم المخاطر، داخل وكالة BVT، وكذلك الاتصال بين BVT والمدعين العامين يعمل بشكل صحيح.

كذلك من الدروس المستفادة أيضًا أنه يجب توسيع جهود نزع التطرف وفك الارتباط أثناء السجن وبعده بشكل كبير. لا غنى عن تعاون مختلف المهنيين، مثل علماء النفس والمعالجين النفسيين والإخصائيين الاجتماعيين، حيث إن عمليات التطرف الفردية متعددة العوامل، كذلك ينبغي أن يكون نهج إزالة التطرف وفك الارتباط يتضمن مؤتمرات، حيث تُتاح للجهات الفاعلة المختلفة فرصة مشاركة خبراتها والتواصل مع بعضها.

من المهم أيضًا تقديم المشورة للأفراد المُدانين بتهم تتعلق بالإرهاب بعد إطلاق سراحهم من السجن وبعد انتهاء أي فترة من المراقبة، إذ تنتهي ولاية المؤسسات مثل ديراد، بانتهاء عقوبة السجن أو فترة الاختبار. فمنذ عام 2014، غادر السجن 120 سجينًا في النمسا لارتكابهم جرائم تتعلق بالإرهاب، وهو ما يشكل خطرًا للتعرض لنفس نمط الإرهاب المحلي مرة أخرى.

ختامًا، تعد عملية مكافحة الإرهاب عامةً، والإرهاب المحلي في أوروبا خاصةً، عملية مركبة وذات طبيعة ممتدة، حيث تتداخل بين الإجراءات الأمنية وغير الأمنية، كذلك تحتاج برامج إعادة تأهيل ودمج المتطرفين والإرهابيين إلى تطوير دائم، والحرص الشديد والتعامل معهم باستراتيجية استباقية باعتبارهم إرهابيين محتملين، فوفقًا لأحد موظفي وكالة BVT، يعيش حاليًا في النمسا ما بين 70 و150 متطرفًا، على استعداد للانضمام إلى داعش في الخارج، وبكل تأكيد يُنسَب إلى عملية فيينا الفضل في إظهار المخاطر التي تُشكِّلها هذه الشبكات المتطرفة.



zatmasr

ليست هناك تعليقات