أحفاد ضحايا الهولوكوست في النمسا يستعيدون حقوقهم في ولادة جديدة سرقها النازيون

إنهم لا يتحدثون الألمانية ولم يسبق وأن وطأت أقدامهم الأراضي النمساوية. ببساطة هم أحفاد ضحايا الهولوكوست الذين أجبرهم النازيون على مغادرة النمسا وبعد حوالى 76 عاما، هاهم الأحفاد يستعيدون "الجنسية" التي سُرقت من أسلافهم.

تقول مايا هوفستيتر، وهي طالبة في المدرسة الثانوية الأمريكية وتبلغ من العمر 17 عامًا، والتي تريد تجميع أجزاء من تاريخ جدتها المؤلم: "كان الأمر مهمًا للغاية بالنسبة لي".

مايا هوفستتر وأشخاص آخرون في مثل وضعيتها استفادوا من تعديل القانون لعام 2019، والذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر-أيلول، وهو القانون الذي سمح لأحفاد ضحايا الهولوكوست بالحصول على الجنسية النمساوية. وتختلف دوافع مقدمي الطلبات، الذين كان جميع أقربائهم من اليهود على الرغم من أن القانون لا يشمل الضحايا اليهود فحسب.

قصص مؤلمة
القصة مؤلمة كثيرا ولكنها جعلت البعض يشعرون بنوع من العدالة فقد أوضحت هوفستتر وزميلها الأمريكي نوح رورليش وجال غيرشون الذي يقيم في إسرائيل وتوماس دييغو هاس الذي جاء من الأرجنتين وروبرت أندرسون الذي يسكن بريطانيا في المقابلات الهاتفية والفيديو لماذا اختاروا هذه الخطوة.

بالنسبة لمايا فقد بدأت قصة جدتها ستيلا ريندي كوبيرن بالنفي القسري في أغسطس-آب 1939، بعد عام من ضم النازيين للنمسا تماما مثلما حدث تماما مع جدّ جال غيرشون المدعو إريك أوتو، الذي قال: "لم يكن يريد مغادرة النمسا... لم يكن قراره"، هذا ما قاله مدير المبيعات لشركة النقل الوطنية الإسرائيلية "العال"، البالغ من العمر 46 عاما. ويضيف: "عندما كان في الثالثة عشرة من عمره عام 1938، وضعه والديه على متن سفينة إلى فلسطين". وبعد الحرب العالمية الثانية علم أوتو أن أفراد عائلته ماتوا في المعسكرات النازية.

كان عدد اليهود في النمسا حوالي 200 ألف قبل إلحاق النمسا بألمانيا، وقُتل أكثر من 65 ألفا منهم في الهولوكوست، واضطرت الغالبية العظمى من الباقين إلى الفرار للبقاء على قيد الحياة، واستقروا في مواقع بعيدة، بعضهم غادر إلى شنغهاي وبوينس آيرس مثل والد توماس دييغو هاس الذي اضطر لتقديم رشوة إلى دبلوماسي أرجنتيني لمساعدته على الفرار إلى أمريكا الجنوبية. هاس، البالغ من العمر الآن 63 عاما، يعمل في فيينا، وهو محلل نفسي.
ذكريات الأجداد

وفرّ جد رورليش قبل اندلاع الحرب ودخل هارفارد في العام 1946، بعد أربع سنوات من وفاة والديه في معسكر اعتقال. يتذكر رورليش، البالغ من العمر 25 عامًا والمقيم في منطقة واشنطن العاصمة، محاولته استعادة ذكريات فيينا من جده، يقول: "في كل مرة نسأله عن ذلك، كنا عادة نحصل على إجابة من جملة واحدة".

قطعة تراث واقعية وصلت إليه هي جواز السفر المكتوب بالحروف القوطية لأجداده، إيغون وسيلي، مختومًا بحرف "جي" الأحمر الذي يشير إلى أنهم يهود.

لم يكن الكثير ممن اضطروا للمغادرة حريصين على الحديث عن التجربة. كانت الأولوية بدلاً من ذلك هي رسم خط تحت النمسا والبدء من جديد في مكان آخر. بالنسبة لأحفادهم، فإن الحصول على الجنسية النمساوية غالبًا ما يكون وسيلة لإعادة التواصل مع أسلافهم.
رحلة عاطفية

يقول رورليش: "الآن، كوني مواطنًا نمساويًا ومهندسًا يجعلني أشعر بأنني أقرب إليه"، مشيرًا إلى حقيقة أنه يشارك جده أيضًا في مهنته. ويتحدث غيرشون عن "رحلة عاطفية للغاية"، مؤكدا: "كانت تغلق القصة تكريماً لذكرى جدي"، فضلاً عن محاولة "تصحيح التاريخ".

على الرغم من صغر سنها، تدرك هوفستتر جيدًا أن "الماضي يؤثر حقًا على الحاضر" وتعتقد أن التعرف على تجارب عائلتها يمكن أن يساعدها في أن تصبح "شخصًا جيدًا".

تؤكد والدتها جينيفر ألكسندر، عالمة الاجتماع بالولايات المتحدة الأمريكية، أن التطورات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة أثقلت تفكيرها، وتقول: "أنا سعيدة بأن أجدادي لم يكونوا هنا لرؤية أمريكا في السنوات الأربع أو الخمس الماضية. كانوا سيشعرون بالضيق الشديد".

أما بالنسبة لأندرسون، الذي تحدث عن "سعادته" عندما جاءت وثائقه النمساوية، فقد كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جانبًا "مهمًا للغاية" في قراره التقدم بطلب للحصول على الجنسية في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. يقول: "أشعر بأني أوروبي، وليس فقط بريطاني، وشعرت بالضيق الشديد عندما قررت المملكة المتحدة مغادرة الاتحاد الأوروبي"، مضيفًا أن هذه الخطوة اتخذت "لجميع الأسباب الخاطئة".
مشاعر مختلطة

تتمثل الخطوة التالية لبعض المواطنين النمساويين الجدد في زيارة النمسا التي يبلغ عدد سكانها 8.9 مليون نسمة. يقول غيرشون: "لم أذهب إلى النمسا من قبل، وهذا شغفي الحقيقي هو الذهاب إلى هناك وآمل أن أذهب مع أطفالي". أما هوفستتر فتقول إنها "تحب العيش في النمسا من أجل الدراسة هناك"، مؤكدة أنها تريد بالتأكيد التواصل أكثر مع هذا البلد لتعلم اللغة والثقافة.

أما رورليش فيحلم بالعثور على منزل جده القديم ويقول: "ربما أقوم بجولة في حديقة إيسترهازي، فجدي كان يقول إنه كان يسكن في الجانب المقابل"، مضيفا: "كانت هناك أيضًا حلبة للتزلج على الجليد كان مغرمًا بها. لا أعرف ما إذا كان لا يزال ذلك موجودا".
علاقات مفقودة

وفي حين أن هناك قلة ممن تمّ استجوابهم أعربوا عن رغبتهم في العيش في النمسا، فقد أكد معظمهم الرغبة في المشاركة في الانتخابات ومحاولة إيجاد علاقات فقدت منذ فترة طويلة.

يقول رورليش إنه يعتقد أن "جده كان سيسعد كثيرًا" وأنه بالنسبة له كان من البديهي أن يغتنم هذه الفرصة. من ناحية أخرى، يدرك هاس أن والده كان سيشعر "بمشاعر مختلطة"، ويضيف: "كانت لديه ذكريات رائعة عن ذهابه إلى فينرفالد بغابات فيينا وكان يذهب إلى الأوبرا عدة مرات في الأسبوع". وأوضح أنه لم يستطع مسامحة النمسا لأنها سلبت حياته، بينما تعتقد هوفستتر أيضًا أن جدتها ربما لم تكن "سعيدة جدًا" باحتمال أن يصبح أحفادها نمساويين حيث قالت: "أعتقد أنها ستظن أننا نخونها، أو ربما لا نخونها بل نقف بجانب الأشخاص الذين طردوها".


ي ن

إرسال تعليق

0 تعليقات