جاري تحميل ... لنكتمل بالمعرفة INFOGRAT

إعلان الرئيسية

آخر الاخبار


شهدت مؤخرا وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة خطيرة ومؤثرة في المشهد العام لوسائل التواصل الاجتماعي والتي أُطلق عليها اصطلاحاً "الذباب الالكتروني" أو الحسابات الوهمية التي تقوم بدورها في ترك تعليقات هنا وهناك حول قضايا سياسية تهم الرأي العام أو الشؤون الاجتماعية، كما لم تستثني القضايا الدينية أيضا بل طالت شخصيات عامة سياسية كانت أو ثقافية، وتتركز مهمة الذباب الالكتروني في محاولة تشويه الحقيقة وفرض وجهة نظر عبثية ومغايرة للواقع لكي تشكل في ذهنية المتابع أو القارئ وجهات نظر مرتبكة وانطباعات خاطئة قد تؤدي بدورها إلى انهيار ثوابت عامة لدى المجتمع أو حتى نزاعات إثنية أو عرقية إضافة الى الصراعات الدينية.

ويتركز عمل الذباب الالكتروني في إطلاق الهجمات وذلك من خلال التعليقات المضللة على المنشورات في صفحات الفيس بوك FACEBOOK الإخبارية والصفحات العامة، أو التغريدات السياسية التي يطلقها الناشطون في تويتر TWEETER، كما يعتبر المحتوى الرقمي الذي يتشاركه العامة أو الخاصة على صفحاتهم في منصات التواصل الاجتماعي الأخرى مادة دسمة للذباب الالكتروني بشكل عام، إضافة الى محاصرة "اليوتيوبر" أو صناع المحتوى على منصة YOU TUBE العالمية وذلك للتشويش على صناع المحتوى وتضليل الرأي العام والمتابعين.

كما كثرت في الآونة الأخيرة هذه الظاهرة على المستوى العربي وتحديداً في الصراعات السياسية المشتعلة في كل من العراق ولبنان والحروب الدموية في كل من سوريا واليمن وليبيا، بالإضافة الى الصراع المحتدم بين عدة دول خليجية وعلى رأسها الامارات والسعودية وقطر، وبرزت بشكل واضح تلك الهجمات تاركة أثراً هائلا في السلم الأهلي والبناء المجتمعي لتظهر في كثير من الأحيان صراعات الكترونية بين أطراف متعددة على تلك المنصات مشعلة بذلك الخلافات والتي قادت أحيانا أصحابها الى مواجهات شخصية وملاحقات قانونية، بل وصلت حد الاتهام بالخيانة والعمالة والتهديد بالقتل أو التصفية والترهيب لصناع المحتوى أو الكتّاب في صفحات التواصل الاجتماعي.

طالت هجمات الذباب الالكتروني المتكررة العديد من الشخصيات العامة والرموز الدينية، محاولة منها في اسقاط تلك الشخصيات شعبياً والتحقير منهم والتشهير بهم وذلك من خلال أخبار مغلوطة واشاعات ليس لها أي صلة بالواقع، وقادت بشكل ممنهج تلك الهجمات في صالح سياسات دول محددة وذلك في سبيل تعزيز مواقفها السياسية أو حروبها العبثية في منطقة الشرق الأوسط لتحقيق شرعية وهمية في ذهنية الشارع العربي وتأييد جمعي على منصات التواصل الاجتماعي.

كان أبرز تلك الشخصيات التي تعرضت مؤخرا لمحاولة التشويه والابتزاز الالكتروني، ما يطلق عليهم المعارضة السياسية في مصر بكافة أطيافها أو توجهاتها، التي تشكلت بدورها بعد سقوط جماعة الاخوان المسلمين وتولي السيسي مقاليد السلطة بعد انقلاب دموي أودى بحياة الآلاف وأدى الى اكتظاظ السجون بالمعتقلين والمعارضين بغض النظر عن انتمائهم السياسي أو توجهاتهم الدينية.

كما كان لأمير دولة قطر وأسرته نصيب الأسد من تلك الهجمات التي انطلقت بشكل عنيف لتشكل بدورها حالة لا يمكن تجاهلها أبدا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدور التي تلعبه قطر في الصراعات العربية وكونها تحتضن أهم مؤسسة إعلامية عربية "الجزيرة" والتي طالتها أيضا تلك الهجمات ولم يسلم منها العديد من طواقمها الصحفية كمقدم البرنامج المثير للجدل الاتجاه المعاكس فيصل القاسم والإعلامية غادة عويس ومقدم نشرة الأخبار جمال ريّان.

بينما نالت القضية الفلسطينية والشأن العام الداخلي للأراضي المحتلة النصيب الأكبر لتلك الهجمات وذلك عقب اتفاقيات السلام الأخيرة التي أبرمت بين الامارات والبحرين والمغرب والسودان من جهة ومن جهة أخرى إسرائيل التي فرضت نفسها على المشهد السياسي العربي بشكل مطلق.

وكان ضحية تلك الهجمات العديد من رموز القضية الفلسطينية التي نالت العديد من الاتهامات بالفساد والعمالة والتشهير المتعمد في قضايا أخلاقية ومالية، بل وصلت حتى إلى إطلاق الشائعات ضمن حملة شرسة للغاية حول صراعات داخلية ومحاولات اغتيال وتصفيات سياسية، وقد ازدادت تلك الهجمات إبان الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة.

بينما وقعت الأردن ضحية أخرى لهذا الصراع الوهمي، فقد كانت المملكة على شفى هاوية سياسية تعصف بها وذلك بعد أن تكشفت محاولة الانقلاب الفاشل الذي كانت تخطط له عدة دول في المنطقة للإطاحة بالملك الأردني عبد الله الثاني وتنصيب أخيه غير الشقيق الأمير حمزة بن الحسين ملكا على الأردن، لاعتبارات سياسية ومحاولة في الضغط على الرأي العام في الشارع الأردني وذلك بعد رفض الأردن صفقة القرن واتخاذه موقفاً صارماً من القضية والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على مدينة القدس ومحاولات تهويدها بقوة السلاح والدعم الاماراتي البحريني الذي صب كامل طاقته في سبيل تقويض دور الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية المسيحية في الأرض المحتلة.

وقد لوحظ تماما أن تلك الهجمات التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي كافة تنطلق من عدة دول منها الامارات والسعودية والعراق ومصر، مستهدفة كل أشكال المعارضة في تلك الدول ومحاولة منها تشويه الخصوم قدر المستطاع وتشكيل حالة من الواقع الافتراضي في الوعي الجمعي للمجتمعات حول مدى خطورة هؤلاء الأشخاص في استقرار المنطقة عموما، بينما تسبح شعوب المنطقة في العديد من الدول العربية المتآكلة سياسياً واقتصادياً في بحر من الدماء والصراعات التي قد تبدو لوهلة أزلية وذلك بسبب الجهل السياسي والمعرفي وانقياد الشعوب خلف نظريات المؤامرة والأكاذيب التي تبثها وسائل الاعلام العربية على مسامع العامة.

هذا وقد ظهر أثر الذباب الالكتروني على العامة وذلك من خلال التأثير في آرائهم اتجاه القضايا التي تهم الشارع العربي، لتنتقل بذلك تلك الظاهرة الى دول المهجر في الولايات المتحدة وأوروبا خصوصا باعتبارها مؤخراً الحاضنة الأكبر للهاربين من ويلات الحروب والصراعات الدموية والسياسية الدائرة في كل من سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر، وتشكل بدورها حالة من الفوضى الذهنية لدى المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي، تاركة إياهم في صراعات وهمية عبثية ومشعلة بينهم خلافات اجتماعية وثقافية تارة ودينية عرقية تارة أخرى وتنافسية مرضِية ضمن حروب نفسية لا واقعية، لتنتشر بذلك التعليقات السلبية والشتائم وتبادل الاتهامات فيما بينهم على كل تلك المنصات، بينما ينشغل جميعهم عن العالم الحقيقي والواقع المر الذي تعيشه شعوبنا وبلادنا التي طالها الخراب والدمار في مناطق النزاع في الشرق الأوسط.

أ. هاني الحاج
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق