بمشاركة خبراء من إنسبروك.. دراسة دولية تكشف نجاح النمسا في محاصرة مرض التليف الكيسي

النمسا ميـديـا – تيرول:

شهدت الأبحاث الطبية المتعلقة بمرض التليف الكيسي (Zystische Fibrose)، المعروف أيضاً بـ “المطثية المخاطية” (Mukoviszidose)، طفرة علاجية غير مسبوقة نجحت في تحويل هذا المرض الوراثي غير القابل للشفاء من مرض يؤدي للوفاة المبكرة إلى مرض مزمن يمكن التعايش معه. وأظهرت دراسة أوروبية حديثة، شارك فيها خبراء من مدينة إنسبروك ونُشرت نتائجها في مجلة “Lancet Respiratory Diseases”، أن متوسط العمر المتوقع للمرضى قفز بشكل مذهل من 20 عاماً إلى نحو 70 عاماً، بفضل الطفرة الهائلة في الخيارات العلاجية لأكثر الأمراض الوراثية شيوعاً في التمثيل الغذائي.

تضاعف أعداد المرضى البالغين في أوروبا خلال عقد واحد

ووفقاً للبيانات المستمدة من السجل الأوروبي لمرضى التليف الكيسي (ECFSPR)، تضاعف عدد المرضى الذين تتجاوز أعمارهم 30 عاماً في أوروبا تقريباً خلال عشر سنوات فقط. وأوضحت الباحثة Annalisa Orenti من جامعة ميلانو والباحثون المشاركون، أن التطورات الكبيرة في الرعاية الطبية منذ عام 2018 -لا سيما إدخال واستخدام أدوية عالية الفعالية على نطاق واسع- أدت إلى زيادة ملحوظة في أعداد المرضى البالغين، مما خلق حاجة متزايدة لتبني مقاربات علاجية مخصصة لكل حالة بشكل فردي.

ويعد السجل الأوروبي (ECFSPR) الأكبر عالمياً في هذا المجال؛ حيث يغطي البيانات الطبية للمرضى في مراكز الرعاية التابعة للمنطقة الأوروبية لمنظمة الصحة العالمية (WHO) خلال الفترة من 2008 إلى 2024. وبحلول عام 2024، شملت قاعدة البيانات أكثر من 55,000 شخص من 47 دولة، وركزت الدراسة الحالية على تحليل بيانات 20 دولة أوروبية تغطي أكثر من 85% من إجمالي المرضى المسجلين على مدار عقد كامل (2014-2024).

الخلل الجيني: مخاطر المخاط اللزج على الرئتين والأعضاء

ينجم مرض التليف الكيسي عن حدوث طفرات جينية في جين يُدعى (CFTR)، وهو الجين المسؤول عن توفير المخطط البنائي لبروتين يعمل كقناة لأيونات الكلوريد في غشاء الخلية. وفي الأجسام السليمة، تقوم الخلايا بنقل أيونات الكلوريد عبر هذه القناة إلى الخارج، حيث تتحد مع الصوديوم لتكوين ملح الطعام (كلوريد الصوديوم $NaCl$) قبل أن يتم تصريفها.

أما لدى مرضى التليف الكيسي، فإن هذا الميكانيزم الحيوي يتعطل تماماً بسبب التغيرات الجينية في قنوات الأيونات، مما يؤدي إلى خلل حاد في نقل الملح والماء داخل خلايا الجسم المختلفة. ونتيجة لذلك، تفرز الخلايا الغدية في عدة أعضاء مخاطاً لزجاً وكثيفاً للغاية بدلاً من الإفرازات السائلة الطبيعية، مما يتسبب في انسداد المجاري التنفسية، والقنوات المرارية، وقنوات البنكرياس. وتعد الأضرار اللاحقة بوظائف الرئة والالتهابات الحادة المتكررة الخطر الأكبر على حياة المرضى على المدى الطويل، حيث كانت زراعة الرئة تُمثل الحل الأخير (Ultima Ratio) لإنقاذهم.

بالأرقام: تراجع معدلات الوفيات بشكل قياسي

أثبتت البيانات الإحصائية للدراسة حجم القفزة الطبية المحققة؛ فبين عامي 2014 و2024، ارتفع عدد المصابين بالتليف الكيسي في الدول العشرين المشمولة بالبحث من 33,916 إلى 41,397 شخصاً. وبينما استقر عدد الأطفال دون سن 18 عاماً بشكل شبه ثابت (16,650 في عام 2014 مقابل 16,362 في عام 2024)، قفز عدد البالغين بنسبة 45% ليرتفع من 17,266 إلى 25,035 شخصاً. ورفع هذا التحول الديموغرافي نسبة البالغين من إجمالي المرضى من 50.9% إلى 60.5%، وهو دليل قاطع على الانخفاض الحاد في معدلات الوفيات بين المصابين.

وفي النمسا، تشير البيانات الصادرة عن فعاليات التدريب الطبي المستمر للأطباء العام الماضي، إلى وجود نحو 900 شخص يعانون من التليف الكيسي، نجح أكثر من 40% منهم في الوصول إلى سن البلوغ (بحسب إحصائيات 2023). وتطبق النمسا منذ سنوات طويلة برنامج “فحص حديثي الولادة” الشامل للكشف المبكر عن المرض فور الولادة، وهو إجراء حاسم للبدء في العلاج فوراً ومنع حدوث المضاعفات المزمنة.

ثورة العلاج المركب: “الروافع والمشحمات” للقنوات الخلوية

يعود الفضل في هذا التحول التاريخي إلى فئة حديثة من الأدوية التي تستهدف إصلاح ميكانيكية المرض مباشرة بدلاً من الاقتصار على العلاج الطبيعي الفيزيائي والاستنشاق والأنظمة الغذائية كما كان متبعاً سابقاً. وتعمل المواد الفعالة مثل Elexacaftor وTezacaftor كـ “مصححات لـ CFTR”، حيث تتدخل لتقليل الآثار السلبية للطفرات الجينية، بينما تعمل المادة الثالثة المكملة Ivacaftor على زيادة احتمالية تفتح واستجابة قنوات الـ (CFTR).

ووصف التقرير العلمي الصادر عن “Pharmazeutische Zeitung” الألمانية آلية عمل هذا العلاج الثلاثي بشكل دقيق؛ حيث تعمل المصححات (مثل Elexacaftor وTezacaftor وLumacaftor) بمثابة “روافع ميكانيكية” تزيد من كمية بروتين الـ (CFTR) المتواجد في غشاء الخلية، في حين تعمل المنشطات (مثل Ivacaftor) بمثابة “مادة تشحيم” تضاعف من نشاط وفعالية هذه البروتينات المستقرة في غشاء الخلايا. وتُطبق هذه التركيبة الثلاثية الفعالة حالياً بنجاح لدى الغالبية العظمى من مرضى التليف الكيسي حول العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى