كيف ننهي الإغلاق الوطني جراء "كوفيد-19"؟.. النمسا تجيب


هناك ضوء في نهاية نفق أزمة "كوفيد-19"، حيث عاشت الصين، وهي أول دولة يضربها الوباء، يومها الأول بدون الإبلاغ عن وفيات جديدة.

كما أن الدول الأكثر تضرراً في أوروبا، إيطاليا وإسبانيا، تسجل تباطؤاً في حصيلة الوفيات، وتتحدث الحكومات كذلك الآن علنية حول رفع قيود الإغلاق الصارمة التي أدت إلى تقييد حركة نصف سكان العالم وتدمير النشاط الاقتصادي وفرض واقع الركود العالمي.

"هذه لحظة فارقة"، هكذا يصف الكاتب الاقتصادي "ليونيل لوران"، في رؤية تحليلية نشرتها وكالة "بلومبرج أوبينيون"، التطورات المتعلقة بالفيروس المميت.

ومع ذلك، فإن النفق طويل.

ولم ينتشر تفشي الكورونا بشكل موحد، حيث تم تطبيق عمليات الإغلاق من جانب كل دولة على حدة بطريقة عشوائية.

وفي الوقت الحالي، يوجد حفنة من الدول فقط تخطط لرفع القيود في غضون أيام.

ولا تنبع الإشارات العامة الأكثر ثقة من الدول التي اتخذت إجراءات أكثر تشدداً مثل إيطاليا أو إسبانيا أو من تلك التي تتخذ موقفاً أكثر تراخياً مثل السويد (والتي تأخرت في تطبيق تدابير أكثر صرامة).

لكنها تأتي من النمسا والدنمارك، الذين تصرفوا مبكراً نسبة إلى عمليات تفشي الكورونا، وتمكنوا من السيطرة على معدلات الإصابات.

وتُظهر البيانات التي جمعتها مدرسة بلافاتنيك الحكومية في جامعة أكسفورد أن هاتين الدولتين قاما بإدخال قرارات الإغلاق حيز التنفيذ عندما كان عدد الإصابات لديهما أقل من ألف حالة ولم يكن لديهم وفيات تقريباً.

في حين أن فرنسا وإسبانيا عندما بدأت تطبيق عمليات الإغلاق كانت عدد الإصابات يقترب من 10 آلاف حالة وعدد الوفيات بالمئات.

وإذا كان هناك عبرة يجب تعلمها من نموذجي النمسا والدنمارك، فإنها ذو شقين.

ويتجسد الشق الأول، كما قال "إيثان هاريس" من بنك أوف أمريكا في الأسبوع الماضي، في أن أقل تكلفة يتحملها اقتصاد ما تكمن في الإغلاق السريعة والمحكم وليس الإغلاق البطيء وغير الحاسم.

أما الأمر الثاني، فيتمثل في أن عملية إنهاء مثل هذا الإغلاق ينبغي أن تحدث بحذر شديد للغاية.

ومن الواضح بالفعل أن 9 ملايين نمساوي لن يملأون فجأة شوارع فيينا أو جبال تيرول، لكن المستشار النمساوي "سيباستيان كورز" وضع خطته لإعادة الفتح "خطوة بخطوة" بدايةً من يوم 14 أبريل/نيسان الجاري، وهو تحرك حذر كما يبدو.

وسيتعين على الجميع ارتداء قناع في وسائل النقل العامة وفي منافذ البيع الكبيرة وفي المتاجر التي من المقرر إعادة فتحها.

وستحدث عملية إحياء الاقتصاد على مراحل لمدة أسبوعين، تبدأ بالمتاجر الصغيرة والحدائق ثم المتاجر الكبرى ومراكز التسوق، يعقب ذلك فتح المطاعم والمقاهي الليلية، لكن المدارس ستظل مغلقة في الوقت الحالي.

وستنفذ قصة مشابهة إلى حد كبير في الدنمارك.

ويشير ذلك إلى المخاوف الأساسية التي تطارد الحياة بعد الإغلاق، حيث يوجد احتمالية تفاقم الإصابات والوفيات مع حرية انتقال الفيروس نتيجة للاختلاط مرة أخرى، الأمر الذي يثقل كاهن غرف العناية المركزية.

ومن شأن ذلك أن يكون كابوساً إذا تم فتح دولة ما فقط لكي تغلق مجدداً بعد بضعة أيام أو أسابيع.

إلى أيّ مدى قد يستمر دعم الأوروبيين من أجل البقاء في منازلهم حال استمرار عمليات الإغلاق خلال فترة الربيع والصيف، مما يجعل البطالة الجزئية أمراً أكثر استمراراً؟

وسيكون فرض عمليات الإغلاق أكثر صعوبة بدرجة مضاعفة في المرة الثانية، كما أن التعافي التدريجي سيتم دراسته من أجل تفادي احتمالية حدوث ذلك.

ومع ذلك، فإنه يشير كذلك إلى أن آمال حدوث تعافي حاد في الاقتصاد – التعافي طويل الأمد على شكل V – يبدو حلم بعيد المنال.

ومن الواضح أن المزيد من الحركة والمزيد من الإنفاق والمزيد من النشاط بمثابة أمر جيد للاستهلاك الخاص في النمسا، والذي يمثل أكثر من 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بحسب المحلل في بنك ريفيسن الدولي "غونتر دوبر".

ولكن إلى أيّ مدى سيتم إطلاق العنان لزيادة الطلب في دولة مليئة بالمستهلكين الذي يرتدون الأقنعة وتحترم تدابير التباعد الاجتماعي وتتصارع مع أعلى معدلات البطالة منذ الحرب العالمية الثانية؟

وتشير بيانات موقع جوجل في النمسا إلى انخفاض عدد رحلات التسوق والترفيه بحوالي 87 بالمائة مقارنة مع الوضع الأساسي لما قبل الفيروس، كما أن هناك 64 بالمائة زيارات أقل إلى متجر البقالة والصيدلية، ولن يتم استعادة كل هذه الأنشطة على الفور.

وتوصل بحث أجرته مؤسسة الأبحاث "أر.بي.سي كابيتل ماركتس" إلى أنه في الصين - حيث بدأ تخفيف القيود لأول مرة في الشهر الماضي - لم يكن هناك عودة إلى الوضع الطبيعي على مستوى الدولة.

وإذا كان "لا يوجد إنسان يعيش وحيدا وبعزلة"، فإن هذا ينطبق على النمسا، وهي دولة صغيرة غير ساحلية وتابعة للاتحاد الأوروبي كما أنها مندمجة بقوة في السوق الموحدة للكتلة.

وتُشكل التجارة الخارجية للنمسا مع أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين حوالي 70 بالمائة.

ولن تحقق النمسا انتصارا كبيرا بعيدا عن أقرب الشركاء بالنظر إلى الاضطرابات التجارية التي ستظل قائمة، حيث من المحتمل أن تكون عمليات إغلاق الحدود وحظر السفر في النمسا هي آخر الإجراءات التي سيتم إزالتها.

ويشير ذلك إلى الحاجة لبذل المزيد من الجهد من أجل دعم المزيد من التعاون وتجميع الموارد لدرء تفشي الفيروس على المستوى الأوروبي.

ولذا، في حين أن الاتجاه العام إيجابي، إلا أن الأمر قد يستغرق شهوراً قبل أن تبدو الحياة بعد الإغلاق وكأنها طبيعية بالنسبة للنمسا أو جيرانها.

ومن المحتمل ألا يتم التوصل إلى لقاح للوباء المميت قبل عام تقريباً، كما أن أوروبا لم تكثف قدرتها فيما يتعلق باختبارات الكورونا بما يكفي لبدء عودة الأشخاص إلى العمل بدون اتخاذ تدابير السلامة الشديدة.

وحتى ذلك الحين، يمكن للنمساويين على الأقل البدء في التخطيط لرحلتهم القادمة إلى الحديقة، بما يتناسب مع أحدث صيحات الموضة المتمثلة في وضع قناع الوجه.


وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات