الهجرة وسياسات الدول... ملف إنساني أم "سلاح سياسي"؟

اخر الاخبار

الهجرة وسياسات الدول... ملف إنساني أم "سلاح سياسي"؟


مع بداية الأزمة في 2015، شهد العالم بأسره على حركة تضامنية هائلة من مواطني الدول الأوروبية مع المهاجرين الساعين للوصول إليهم. منظمات دولية وأممية ومبادرات محلية وخطط حكومية، جميعها وضعت في تصرف الهيئات التي كانت تعمل حينها على استيعاب موجات الهجرة، وتأمين ظروف معيشية لائقة نسبيا لهؤلاء المهاجرين.

لكن مع مرور الوقت، تحولت الصورة إلى نقيضها، وباتت الدول تسعى لمنع المهاجرين من الوصول إليها، وتقترح قوانين "غريبة" أحيانا، وغير إنسانية أحيانا أخرى، لتثبيت ذلك المنع. ولنا في إيطاليا وقراراتها السابقة حول منع سفن الإنقاذ من الرسو في موانئها مثال، وفي بريطانيا وسعي حكومتها لمنع المهاجرين من القدوم إلى البلاد من خلال اقتراحات قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها مستخرجة من فيلم للخيال العلمي مثال آخر.

اليمين الأوروبي وخطاب معادة الهجرة والمكاسب السياسية
أثر الهجرة امتد ليثير جدالا على الساحة السياسية الداخلية الأوروبية. أحزاب اليمين بدأت تدريجيا بالبروز كقوى موجودة على أرض الواقع، في وقت كانت تعاني فيه تلك الأحزاب من ضعف في التمثيل والحضور الشعبي. في السويد على سبيل المثال، تمكن حزب "الديمقراطيون السويديون"، المعروف بمحاباته لأفكار النازيين الجدد، من اعتلاء المشهد السياسي وبات يحظى بفرصة للمشاركة في الحكومة المرتقبة. وكان لخطاب معاداة الهجرة دور بارز في نجاح ذلك الحزب مؤخرا.

في النمسا عاد المستشار سيباستيان كورتز ليؤكد على موقفه من موضوع الهجرة وإصراره على ترحيل المهاجرين بعيدا. وقال يوم الثلاثاء الماضي إن عمليات ترحيل المهاجرين لن تتوقف، وإن سياسته تجاههم لن تتغير.

مارين لوبان، زعيمة حزب "الجبهة الوطنية" اليميني في فرنسا، قالت الأربعاء الماضي إنها "تغرق" بفعل استمرار قدوم المهاجرين إلى بلادها. لوبان علقت على إنشاء الاتحاد الأوروبي وكالة متخصصة بقضايا اللجوء قائلة إن السلطات الحالية تعمل على "إغراق أوروبا" بالمهاجرين. السياسية الفرنسية كان لها الكثير من المواقف في الماضي معادية للمهاجرين والإسلام وفكرة الاتحاد الأوروبي، وهي استخدمت خطابها المعادي للهجرة مرارا أثناء حملاتها وأنشطتها السياسية.

سياسات الحد من استقبال المهاجرين وترحيل طالبي اللجوء لم تقتصر فقط على الحكومات الأوروبية ذات الطابع اليميني، إذ نجد قرارات الحكومة الدنماركية، المحسوبة على اليسار، مثيرة للجدل في الكثير من الأحيان. حكومة كوبنهاغن أعلنت عن نيتها إعادة أعداد كبيرة من طالبي اللجوء إلى بلدانهم الأم، حتى أنها باتت تفكر بإنشاء مراكز لاستقبال طلبات اللجوء في بلدان ثالثة، حيث يقوم المهاجرون بطلب اللجوء والانتظار للحصول على الموافقة، دون أي ضمانة حول إمكانية إعادة توطينهم في الدنمارك في حال قبل طلب لجوئهم.

طبعا الصورة السابقة لا يقصد منها رسم مشهد "يميني" يخيم على القارة العجوز، خاصة مع الانتكاسات المتكررة للأحزاب اليمينية في عدد من البلدان مؤخرا نتيجة اتهامها بسوء إدارة أزمة كورونا، وتداعياتها على اقتصادات الاتحاد. ولهذا سرد مختلف لا يتعلق بموضوعنا في هذه الورقة.

تركيا.. عضوية الاتحاد الأوروبي وإلا...
دول أخرى استخدمت المهاجرين كورقة ضغط لتحصيل مكاسب معينة، أو للتعبير عن اعتراضها على سياسات دول أخرى. نجد في هذا المثال السيناريو التركي، حيث قامت أنقرة مطلع العام الماضي بالإعلان عن فتح حدودها مع اليونان أمام المهاجرين الراغبين بالتوجه إلى الاتحاد الأوروبي. عشرات الآلاف تدفقوا على النقاط الحدودية المختلفة بين البلدين، وبدأت بوادر أزمة دبلوماسية تلوح بين تركيا والاتحاد الأوروبي نتيجة تلك الخطوة.

بالنسبة لتركيا حينها، لم يلتزم الاتحاد الأوروبي بتعهداته تجاهها في ما يتعلق بالمهاجرين على أراضيها. واتهمت حكومة رجب طيب أردوغان الأوروبيين بعدم الوفاء بالاتفاقات المشتركة، ومنها إعفاء الأتراك من التأشيرة السياحية لدخول أراضي الاتحاد.

ومازالت المشاهد التي وثقتها وسائل الإعلام العالمية، ومنها مهاجر نيوز، على الحدود بين تركيا واليونان ماثلة في أذهان المتابعين للملف. شهادات لمهاجرين سوريين وعراقيين وفلسطينيين وغيرهم كانوا هناك، تحدثت عن القمع الذي تعرضوا له من قبل الطرفين على السواء، حيث تم تسجيل سقوط العديد من الجرحى إما أثناء محاولتهم الدخول إلى اليونان أو عندما قررت الحكومة التركية إنهاء تلك المظاهر على حدودها وإعادة كافة المهاجرين إلى المناطق التي جاؤوا منها.

بدورها، كانت اليونان من أوائل الدول التي اتهمت حينها تركيا باستخدام اللاجئين والمهاجرين كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية. الدول الأوروبية لاحقا طالبت تركيا بضرورة الالتزام باتفاقية الهجرة التي وقعتها مع الاتحاد الأوروبي في 2016، والتي تتحدث في جزء منها عن منع المهاجرين من التوجه إلى أوروبا، وإعادة استقبال من ترفض طلبات لجوئهم في اليونان.

قبرص من ناحيتها، الجزيرة المتوسطية العضو في الاتحاد الأوروبي، اتهمت تركيا أيضا باعتماد ورقة الهجرة للضغط على المشهد السياسي الهش في الجزيرة. نيقوسيا أعلنت في عدد من المناسبات أن تركيا تقوم بإرسال المهاجرين عبر البحر إلى الشق التركي من الجزيرة (شمال)، حيث يقوم المهاجرون بعبور الخط الفاصل بين الشطرين باتجاه الجزء الأوروبي.

المغرب وإسبانيا والبوليساريو.. والضحايا من المهاجرين
مشهد آخر شكل "صدمة" على الحدود الأوروبية، هذه المرة في شمال أفريقيا، وتحديدا في جيب سبتة الخاضع للسيطرة الإسبانية شمال المغرب. آلاف الأشخاص عبروا السياج الفاصل بين الجيب، الذي يشكل مع نظيره مليلية الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، والمغرب، بعد أن قامت السلطات المغربية بتخفيض رقابتها على المنطقة.

وجاءت تلك الحادثة عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي على أراضيها، بدعوى تلقي العلاج الطبي. هذا الأمر أثار حفيظة المغرب الذي أبدى معارضته لتلك الخطوة واتهم إسبانيا بالتدخل بالشؤون الداخلية للبلاد.

من جهتها، استنكرت إسبانيا استخدام المغرب لورقة المهاجرين للضغط عليها وعلى الاتحاد الأوروبي لتحقيق مآرب سياسية. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زار الجيبين الحدوديين مع المغرب حينها، وتعهد بالدفاع عن حدودهما بكافة الوسائل، مع التأكيد على علاقة الصداقة التي تجمع بلاده بالمغرب.

وبانتظار انتهاء السجال الذي مازال دائرا بين البلدين، يقبع نحو 1200 مهاجر قاصر في سبتة حاليا، إضافة إلى مئات ممن سبقوهم من جنسيات مختلفة في مليلية، بظروف معيشية صعبة، يحاولون بشكل دائم البحث عن وسائل للوصول إلى البر الإسباني. وحسب اتفاقيات موقعة سابقا بين الرباط ومدريد، يمكن إعادة كافة المهاجرين المغاربة إلى بلدهم، لكن قرار المملكة المغربية بإغلاق حدودها نتيجة جائحة كورونا يمنع تنفيذ ذلك البند.

بيلاروسيا والعقوبات الأوروبية.. هل تفتح حدودها للمهاجرين؟
المشهد نفسه بدأ بالتشكل من جديد لكن على الحدود الشرقية للاتحاد هذه المرة. فعلى خلفية العقوبات التي أعلنتها أوروبا بحق بيلاروسيا (إجبار طائرة مدنية على الهبوط في مينسك لاعتقال صحفي معارض كان على متنها)، أعلنت بيلاروسيا تعليق العمل باتفاقات مكافحة الهجرة غير الشرعية مع الاتحاد الأوروبي.

ليتوانيا، إحدى جمهوريات البلطيق الثلاث العضو في الاتحاد، أبدت خشيتها من أن تقوم سلطات بيلاروسيا بفتح الحدود من جهتها أمام المهاجرين. سلطات ليتوانيا أعلنت أن هناك حاليا أكثر من ألف مهاجر عراقي في بيلاروسيا، أبدت خشيتها من نيتهم جميعا الوصول إليها وطلب اللجوء هناك.

غابريليوس لاندسبيرجيس، وزير خارجية ليتوانيا، كان قد اتهم بيلاروسيا بـ"استخدام اللاجئين كسلاح ضد الاتحاد الأوروبي. وقال إن بيلاروسيا شاركت في "هجوم هجين ضد أوروبا"، عبر جلب المهاجرين عن طريق وكالات سياحية مملوكة للدولة من بغداد أو إسطنبول، وإرسالهم إلى الحدود مع ليتوانيا.

هذا الطفل لم يتجاوز عمره شهرين عندما أنقذه أحد عناصر خفر السواحل الإسبانية من الغرق. في مايو / آيار عام 2021، قامت السلطات المغربية بتخفيف سيطرتها الحدودية مع مدينة سبتة. وعلى إثر ذلك، حاول الألاف دخول جيب سبتة الإسباني سباحة على طول الساحل المغربي. وتظهر هذه الصورة الجانب القاسي لأزمة الهجرة في سبتة.

وحسب وسائل إعلامية محلية ليتوانية، وصل ما مجموعه 515 مهاجرا إلى ليتوانيا قادمين من بيلاروسيا منذ مطلع العام الجاري (336 عراقيا و46 إيرانيا و42 سوريا و39 بيلاروسيا و17 روسيا و11 تركيا و10 سريلانكيين، بالإضافة إلى طاجيك وأفغان ويمنيين ومصريين وصوماليين)، مقابل 81 فقط خلال 2020.

استغلال ملف الهجرة لتبرير مواقف سياسية معينة أو لتحقيق مكاسب بين أطراف متنازعة لا يقتصر حصرا على الأمثلة السابقة، فهناك دول أخرى تعمل على استغلال المهاجرين ضمن حراكاتها الداخلية أو لتبرير سياساتها، كالسلطات اللبنانية التي اعتبرت أن الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها البلد اليوم من ضمنها المهاجرين والنازحين واللاجئين. أما ليبيا، التي تعاني من حرب أهلية مدمرة منذ إسقاط نظام الرئيس السابق معمر القذافي، استفادت من الكثير من المساعدات المالية واللوجستية والسياسية من الاتحاد الأوروبي ومن بعض الدول الأوروبية، بحجة تطوير خفر السواحل لديها صاحب المهمة الرئيسية المتمثلة باعتراض قوارب المهاجرين في المتوسط...

وبين الأسباب والمسببات والصراعات السياسية والمكاسب، يبقى المهاجرون مادة دسمة للسياسيين ليحققوا من خلالهم مآربهم، دون أدنى التفاتة للمآسي التي يعيشونها أو لنوع المستقبل الذي يتوقعون الحصول عليه.

dw

ليست هناك تعليقات