قراءة مفصلة في العام الأول لحزب “NEOS” بالحكومة النمساوية.. مكاسب سياسية وتصدعات داخلية

بعد اثني عشر عاماً قضاها في صفوف المعارضة، انتقل حزب “NEOS” إلى الجانب الآخر من السلطة في مارس الماضي، ليجد نفسه شريكاً في ائتلاف ثلاثي مع حزبي الشعب (ÖVP) والاشتراكي (SPÖ). وفي مقابلة مطولة مع برنامج “ZIB2” مساء الإثنين، قدمت رئيسة الحزب ووزيرة الخارجية Beate Meinl-Reisinger حصيلة سنوية لأداء حزبها. وفي تحليل للمشهد، رأت المحللة السياسية Kathrin Stainer-Hämmerle أن الحزب هو “الأقل تضرراً” في استطلاعات الرأي مقارنة بشركائه، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن المشاركة الحكومية “كلفت الحزب الكثير”، حيث اضطر لدفع أثمان سياسية لم يكن جميع أعضائه مستعدين لقبولها، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).
وترى Stainer-Hämmerle أن حزب “NEOS”، رغم كونه الشريك الأصغر، حقق نجاحاً يفوق حجمه التمثيلي في كثير من الأحيان، مشيرة إلى أن حزبي “ÖVP” و”SPÖ” رغبا في ضمه لتوسيع القاعدة الشعبية للائتلاف، ولحاجتهما إلى “قوة دفع جديدة” لكسر حالة الانسداد السياسي والجمود التي ميزت العلاقات بين القطبين الكبيرين لعقود.
وتجدر الإشارة إلى أن Meinl-Reisinger كانت قد انسحبت من المفاوضات مع الحزبين في مطلع يناير الماضي، منتقدة غياب الإرادة الإصلاحية وما وصفته بـ “المفهوم الفلكلوري” للسياسة. ولكن بعد فشل المحادثات بين حزبي “ÖVP” و”الأسلحة” (FPÖ)، عادت المفاوضات الثلاثية بفضل إصرار Meinl-Reisinger التي كانت تطمح علانية للحكم ونجحت في ذلك، رغم أن “التعلم على ممارسة السلطة لا يمر دون خسائر”، بحسب المحللة السياسية.
وقد ظهرت آثار هذه “الخسائر” بوضوح من خلال استقالة النائبة Stefanie Krisper التي غادرت المجلس الوطني (Nationalrat) في منتصف أكتوبر، معبرة عن شكوكها في قيمة عملها البرلماني بعد مشاركة حزبها في الحكومة، ومشددة على أن البرلمان لا ينبغي أن يكون مجرد “ذراع ممتدة للحكومة”. وكانت Krisper قد صوتت في يوليو الماضي، رفقة زميلها Nikolaus Scherak، ضد خط الائتلاف الحكومي في ملف “مراقبة تطبيقات المراسلة”، وهو ما اعتبرته Stainer-Hämmerle مؤشراً على صعوبة السيطرة على الكتلة النيابية على المدى الطويل. كما شملت التصدعات إعفاء النائب Veit Dengler من منصب المتحدث باسم السياسة الخارجية بعد إعلانه تأييد انضمام النمسا لحلف الناتو.
وعلى صعيد الحقيبة الخارجية، لم تسلم Meinl-Reisinger من النقد؛ حيث وقعت في يوليو الماضي على بيان مشترك لـ 28 وزير خارجية يطالب بوقف الحرب في غزة، وتضمن لأول مرة انتقادات موجهة لإسرائيل، وهو بيان لم توقع عليه ألمانيا. ودافعت الوزيرة عن موقفها مؤكدة أنه لا يمثل “تغييراً جذرياً” في السياسة النمساوية، بينما رأت المحللة Stainer-Hämmerle أن رئيسة الحزب تدير منصبها بأسلوب “سياسي بحت” قد لا يلتزم دائماً بالأعراف الدبلوماسية التقليدية، مشيرة إلى أنها لم تبلغ شركاءها في الائتلاف مسبقاً برسالة غزة، وهو أمر لم يهدد استقرار الحكومة حتى الآن ولكنه أثار تساؤلات.
أما سكرتير الدولة لشؤون “مكافحة البيروقراطية” Sepp Schellhorn، فقد أثار جدلاً واسعاً، بدءاً من اختياره سيارة “Audi A8” كسيارة رسمية وما تبع ذلك من فشل في إدارة الأزمة إعلامياً، وصولاً إلى تصريحاته الصحفية ضد خبراء معهد “Agenda Austria” المقرب من قطاع الصناعة، حيث وصفهم بـ “أشباه الخبراء” (sogenannte Experten) بعد انتقادهم لحزمة تبسيط الإجراءات التي قدمها، علماً أن المعهد يرأسه شقيقه Franz Schellhorn. ورأت المحللة أن ضجيج Schellhorn، رغم حدته، يخدم الحزب من حيث لفت الانتباه وتأكيد حضوره.
وفيما يخص الملفات الجوهرية كالتعليم والمعاشات، ترى Stainer-Hämmerle أن الحزب أمام نافذة زمنية مدتها عام واحد لتقديم نتائج ملموسة. وفي ملف المعاشات، نجح “NEOS” في فرض “آلية الاستدامة” التي تلزم الحكومة القادمة باتخاذ إجراءات إضافية إذا لم تتراجع المساعدات الحكومية لصندوق التقاعد، رغم أن الحزب كان يطمح لإصلاحات أعمق بكثير. وفي التعليم، سجل الحزب نقاطاً في “حظر الهواتف المحمولة” ودعم ميزانيات مدارس معينة، لكن الإصلاحات الكبرى التي تتطلب أغلبية الثلثين، مثل “المدرسة المشتركة”، لا تزال بعيدة المنال أمام وزير التعليم Christoph Wiederkehr.
وفي ختام مقابلتها، أبدت Meinl-Reisinger تفهمها لحالة “عدم الصبر” والقلق من كثرة التسويات، قائلة: “أشارككم عدم الصبر في قضايا عديدة، وليس سراً أننا كنا نود فعل الكثير في جانب النفقات والإصلاحات الهيكلية للميزانية”. وأكدت أن الحزب اختار تحمل المسؤولية في وقت صعب بدلاً من الهروب، في إشارة إلى حزب (FPÖ) الذي اتهمته بـ “الخوف” من تحمل المسؤولية، مشددة على أن “NEOS” يؤمن بالقدرة على إحداث تغيير أفضل رغم صعوبة الظروف الائتلافية.



