“لن يبقى أحد وحيداً”.. مبادرات مجتمعية في النمسا لمواجهة شبح العزلة خلال احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة

تواجه شريحة واسعة من السكان في النمسا مشاعر متزايدة بالوحدة مع اقتراب احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة في النمسا، وهي فترة ترتبط غالباً بتوقعات اجتماعية مرتفعة تزيد من وطأة العزلة على من يفتقدون الروابط الأسرية. وفي ظل تقارير تشير إلى شعور مئات الآلاف بالوحدة بانتظام، تبرز مبادرات إنسانية مثل “لن يبقى أحد وحيداً” (Keinerbleibtallein) وشبكة “دردشة” (Plaudernetz) التابعة لمنظمة “كاريتاس” (Caritas)، لتقديم بدائل مجتمعية تهدف إلى مد جسور التواصل الإنساني وتوفير الدعم النفسي خلال الموسم الشتوي، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).
أوضحت الطبيبة النفسية “كارين غوتيريز-لوبوس” (Karin Gutierrez-Lobos) في تصريحات لموقع (ORF.at) أن فترة أعياد الميلاد ترتبط بـ “توقعات اجتماعية متزايدة”، مما يجعلها وقتاً عصيباً على أولئك الذين يجدون أنفسهم وحيدين رغماً عنهم. ومع ذلك، تتوفر حالياً خيارات متعددة لتجربة القرب والمشاركة المجتمعية حتى لمن يقضون العطلات بمفردهم.
من بين هذه المبادرات، تبرز مبادرة “لن يبقى أحد وحيداً” (Keinerbleibtallein) التي أسسها “كريستيان فاين” (Christian Fein). يسعى هذا المواطن الألماني، خاصة في فترات أعياد الميلاد ورأس السنة، إلى الجمع بين الأشخاص الذين يعانون من الوحدة في ألمانيا (Deutschland) والنمسا (Österreich) وسويسرا (Schweiz). ولدت الفكرة لدى “فاين” (Fein)، الذي يعمل مستشاراً إدارياً، قبل ثماني سنوات عندما وجد نفسه وحيداً خلال هذه المناسبات.
بدأت المبادرة عبر منصة “تويتر” (Twitter) – المعروفة حالياً بـ (X) – من خلال وسم (Hashtag) بعنوان “#لن_يغرد_أحد_وحيداً” (#KeinerTwittertAllein). ونظراً للاستجابة الواسعة، قرر “فاين” (Fein) نقل المبادرة من الفضاء الرقمي إلى العالم الواقعي، حيث يدير اليوم مع فريق صغير من المتطوعين جهوداً للربط بين الأشخاص من مختلف الأعمار والأجناس.
تعتمد آلية العمل على مبدأ بسيط؛ حيث يقوم الراغبون في المشاركة بمراسلة المبادرة عبر “فيسبوك” (Facebook) أو “إنستغرام” (Instagram)، موضحين ما إذا كانوا يبحثون عن صحبة أو يرغبون في تقديمها. ويبذل الفريق المقيم في مدينة “مانهايم” (Mannheim) جهوداً للعثور على شخص مناسب في نفس الموقع الجغرافي، مع مراعاة العمر والجنس، وأحياناً التوجهات السياسية إذا كانت معروفة. ومنذ عام 2017، سجلت المبادرة 350,000 مشاركة، نصيب النمسا منها يتراوح بين 20,000 و30,000 مشاركة، مع تركيز أساسي في العاصمة “فيينا” (Wien).
ورغم استمرار معالجة الطلبات حتى الساعة 17:00 من يوم 24 ديسمبر (Dezember)، إلا أن المنظمين لا يضمنون توفير شريك لكل طلب. لذا ينصح “فاين” (Fein) بوضع “خطة بديلة” تتضمن جدولاً زمنياً بسيطاً، مثل المشي أو مشاهدة مسلسل، لتجنب الدخول في العطلة دون برنامج محدد، مما قد يفاقم الشعور بالوحدة.
وعلى صعيد الإحصاءات، أظهرت دراسة أجرتها منظمة “كاريتاس” (Caritas) ومعهد “سورا” (SORA-Institut) عام 2024، أن 570,000 شخص في النمسا يشعرون بالوحدة لأكثر من نصف الوقت. كما تشير بيانات خط الطوارئ 147 (Rat auf Draht) إلى تزايد هذا الشعور بين الشباب، حيث ارتفعت الاستشارات الهاتفية بنسبة 37.4% في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 مقارنة بالعام السابق.
وتعرف “غوتيريز-لوبوس” (Gutierrez-Lobos)، وهي متخصصة في الطب النفسي والأعصاب ومؤسسة “منصة ضد الوحدة” (Plattform gegen Einsamkeit)، الوحدة بأنها “شعور ذاتي بالفجوة بين العلاقات القائمة والعلاقات المنشودة”. وأشارت إلى أن الشخص قد يشعر بالوحدة حتى وهو محاط بأقاربه في ليلة عيد الميلاد. كما لفتت إلى أن الضغط المجتمعي الناجم عن الإعلانات والأفلام التي تركز حصراً على “الاحتفال الجماعي” يجعل هذه الفترة مؤلمة بشكل مضاعف.
وفي سياق متصل، تدير “فلورا غال” (Flora Gall) مشروع “شبكة الدردشة” (Plaudernetz) التابع لـ “كاريتاس” (Caritas)، ووصفت أعياد الميلاد بأنها تعمل كـ “عدسة مكبرة” تسلط الضوء على حياة الفرد ووحدته. توفر هذه الشبكة، التي تأسست عام 2020، رقم هاتف (05 1776 100) متاح يومياً من الساعة 10:00 حتى 22:00، للربط بين من يرغبون في الحديث ومن لديهم استعداد للاستماع.
وشهدت “شبكة الدردشة” (Plaudernetz) زيادة بنسبة 20% في المكالمات خلال الموسم الحالي، حيث أُجريت 15,000 محادثة هذا العام وحده من إجمالي 68,500 محادثة منذ تأسيس المبادرة. وتستغرق المحادثة الواحدة في المتوسط 29 دقيقة، وتميل لأن تكون أطول خلال فصل الشتاء.
كما حذرت “غال” (Gall) من أن التضخم وغلاء المعيشة (Teuerung) يفاقمان المشكلة، حيث أشارت دراسة غير منشورة لـ “كاريتاس” (Caritas) ومعهد “فورسايت” (Foresight-Institut) إلى أن 33% من المشاركين قلصوا اتصالاتهم الاجتماعية بسبب التكاليف، مقارنة بـ 17% في عام 2023.
ختاماً، نبهت منظمة الصحة العالمية (WHO) في يونيو الماضي من المخاطر الصحية الجسيمة للوحدة المزمنة، بما في ذلك زيادة احتمالات الإصابة بالسكتات الدماغية، النوبات القلبية، السكري، الاكتئاب، والانتحار. كما أشارت “غوتيريز-لوبوس” (Gutierrez-Lobos) إلى أن الشعور المستمر بالوحدة قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات السياسية والاجتماعية، وهو ما أكدته دراسة ألمانية لـ “مؤسسة بيرتلسمان” (Bertelsmann-Stiftung) شملت الشباب، حيث أظهرت أن الشعور الحاد بالوحدة يضعف الإيمان بالقدرة على إحداث تغيير سياسي، مما يهدد تماسك الديمقراطية.



