مقال رأي الهجمة على الاسلام ليست صدفة.. طريق لاعادة احياء “داعش”


يقول الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت “لا شيء يحدث بالصدفة في عالم السياسة، وإذا حدثت صدفةً، فاعلم أنّه مخططٌ لها أن تظهر كصدفة”. 

وأشهر صدفة لا زالت الغالبية العظمى تتبناها هي صدفة “شطيرة غافريلو”، حيث فشل الهجوم على ولي عهد النمسا، فذهب المنفذ إلى مطعم ليأكل شطيرة، فتأخر النادل صدفةً، ليتوه سائق وليّ العهد صدفةً ويضيع طريقه إلى المستشفى، فيخرج القاتل من المطعم ليتفاجأ بسيارة وليّ العهد فيطلق عليه الرصاص، وعلى إثر هذه الصدفة المركبة اندلعت الحرب العالمية الأولى، وقُتل ما يقرب من عشرين مليون إنسان، وانهارت امبراطوريات وقامت امبراطوريات.. وسايكس بيكو واحتلال فلسطين وولادة السعودية، وعشرات النتائج لمجرد صدفة بتأخر نادل وصدفة تيه سائق. وهذه الصدفة التي يتبناها الكثير من الباحثين والأكاديميين والمناهج الدراسية فضلاً عن الجمهور، هي مجرد دعابة، فلا يوجد صدفة في الأمر على الإطلاق، حيث كان غافريلو ينتظر وليّ العهد في هذا المكان أمام المطعم تحديداً، حيث كانت الصحف قد نشرت مسار موكب الأرشيدوق، ورغم أنّ افتعال الصدفة ثم تسخيرها سياسياً، فيه الكثير من الاستخفاف بالعقول، إلّا أنّه دائماً ينجح.

وانطلاقًا من “نظرية الصدفة” الساخرة، من الواجب أن نسأل ما علاقة التبني الرسمي الفرنسي لإعادة نبش الرسوم المسيئة، مع المبادرة الفرنسية في لبنان، ومع الضغط الصهيوني على أوروبا لتصنيف حزب الله كحركة إرهابية، ومع رفع حظر التسليح عن إيران، ومع التصريحات الأمريكية عن التخوف من عودة “داعش”، والاحتفاظ بقواعد عسكرية للحيلولة دون ذلك، ومع إفراج ما تسمى “قسد” عن المئات من “الدواعش” في سجونها، ومع حمّى التطبيع المستعرة، ومع الصراع الأمريكي الروسي من جهة والأمريكي الصيني من جهةٍ أخرى؟

قد يبدو هذا توسيعاً غير مبررٍ لهاجس المؤامرة، وأنّ الأمر لا يعدو كونه رؤية ماكرونية شخصية أولاً، وأنّها إشكالية تساهم في تحشيد أصواتٍ انتخابية لولايةٍ ثانية ثانياً، وأنّه أمرٌ يتكرر بين الفينة والأخرى، وليس حدثاً بلا سوابق ثالثاً. وعلى افتراض التسليم بهذه الرؤية المباشرة للأحداث، فإنّ هذا ينفي عنها صفة الصدفة، بل يضعها في إطار التخطيط المحكم، ولكني لا أستسيغ فكرة أن يضع رئيس فرنسي – مهما أوتي من رعونة – بلاده في خندق معاداة ملياري إنسان بإشهار حربٍ على الإسلام بدوله وشعوبه ومنظماته و”معتدليه” قبل “متطرفيه”، لمجرد أنّه يريد ولاية ثانية، أو لمجرد كونه شخصًا معتدًا بنفسه معتزًا بقيّم الجمهورية.
على مدى أربعة عقود ونيّف استخدم الغرب جماعات صنعها أو استثمر في صنعها وسمّاها زورًا “اسلامية”، استخدمها لمواجهة الشيوعية واليسار، واستخدمها لمواجهة المدّ القومي الناصري، ثم استخدمها فيما يسمى “الربيع العربي” كمخاضٍ لولادة الشرق الأوسط الجديد، وكانت كسكينٍ لجزِّ أعناق الدولة الوطنية، خصوصاً تلك التي كانت تُعتبر عائقاً أمام فكرة السيادة “الإسرائيلية” على المنطقة.

ويبدو أنّ هذا النهج الغربي لا يزال مستمراً ولم يجدوا بديلاً بعد، فـ”الغضبة” الفرنسية لعلمانيتها ليست محض صدفة، وما تبعها من ردة فعلٍ ملطخة بالدم ليست صدفة، فقد تكون إعادة تفعيل العمل ببرنامج “داعش” هو الهدف. لكن “داعش” هذه المرة ذات نسخةٍ جديدة بإصدارٍ جديد، فالتقسيم والانشطار وشطر المشطور سياسة غربية استعمارية أثيرة، فقد كان الإصدار القديم لـ”داعش”، يُشكل إجماعاً بين الإخوانية الأردوغانية والوهابية السعودية، بينما المُلاحظ أن هذا الإصدار منقسمٌ على نفسه، فمع تزعم أردوغان لشعبوية المواجهة، نجد استنكاف السعودية وحلفها حد التبرير لفرنسا، حتى أنّ ماكرون حين اختار بوابةً لإطلالته على العالم العربي والإسلامي اختار قناة “الجزيرة” القطرية، وهو ليس اختياراً عبثياً، فهو يخاطب هذا القسم من بوابته، فقد يكون هذا القسم المخصص لمواجهة بحر الصين الجنوبي والقوقاز، تردفه قوة جامعة في العالمين العربي والإسلامي مدفوعة بنزعاتٍ مستنفرة، فيما القسم الوهابي مخصص للاستخدام تجاه إيران ومحور المقاومة، تردفه كذلك قوة مستفزَة ومستنفرَة.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدم استعداد الغرب لدخول حربٍ نظامية في أيّ ساحة مواجهة، يصبح استخدام هذه الألوية المدججة بالحقد والأيدولوجيا خياراً أمثلاً، خصوصاً أنّ السكين الغربي في قلب المنطقة “إسرائيل” تظل خارج شرر هذا الغضب، وهكذا أطلق ماكرون طلقة البداية للبدء بإعادة خلط الأوراق في المنطقة والعالم. ففي لبنان مثلاً ومع حدّة الاستقطاب الموجود أصلاً، والذي تزيده الهجمة الفرنسية حدّة، سيصبح من الصعب في انتخاباتٍ لاحقة إجماعٌ سنيٌ على رئاسة الحكومة، وقد تتخذ الأمور بعداً أكبر في حال التركيز على فكرة اليمين المتطرف كصراعٍ مسيحي – إسلامي، والذي حاول ماكرون مداعبة خيال اليمين بها، فيصبح الصراع في لبنان أكثر فجاجةً، فتنقلب التحالفات للتواؤم مع الشكل الجديد للصراع، وهو ما ينذر بكوارث محلية وإقليمية، تهدد حصاد سنواتٍ من القبض على الجمر، لدرء أخطار الصراع الأهلي.

أما في سوريا مثلاً، فالإصرار السوري على مناقشة الانسحاب الأمريكي قبل أيّ شئٍ آخر، يجعل منه مسألة وقتٍ لا أكثر، ولكن بوجود “داعش” يصبح تأخير الانسحاب أمراً واقعاً، وهنا إذ نستذكر تحذيرات الرئيس بشار الأسد وسماحة السيد حسن نصرالله للغرب عموماً من ارتدادات هذا العبث بخلايا الإرهاب النائمة، فقد يكون هذا العبث المستجد أكثر خطورةً، وقد لا تكون أضراره على الغرب مجرد أحداثٍ هامشية، يتم تضخيمها قبل دفعها لتحرق الشرق، بل ستكون وبالاً عليه خصوصاً أوروبا.

وكالات

إرسال تعليق

0 تعليقات