جاري تحميل ... لنكتمل بالمعرفة INFOGRAT

إعلان الرئيسية

آخر الاخبار


زرتُ، الأسبوع الماضي، مدينة فيينا التي تُشتهر اليوم في دوائر الشرق الأوسط بأنها مقر المفاوضات النووية الإيرانية؛ ولكنها أيضاً موطن لمجتمعٍ واسع من المهاجرين المسلمين؛ بكل خلفياتهم العرقية والسياسية والعقائدية المعقدة. وعلى سبيلِ المثال لا الحصر، بلغ عدد سكان المدينة من اللاجئين السوريين وحدهم 75,000 شخص بنهاية العام الماضي، مع تسجيل الواصلين الجدد هذا العام أرقاماً قياسية.

وقد تشرفتُ بعقد لقاءٍ مطول مع شبكة صغيرة من قادة المنظمات غير الحكومية المحلية المعتدلين، إلى جانب عددٍ من نظرائهم من الجاليات الأخرى. وهذا المقال المختصر يلخص وجهات نظر هذه المجموعة بالتحديد. وقد حجبتُ أسماءَهم، بناء على طلبهم؛ خوفاً من انتقام المتطرفين المحليين، سواء من الإسلاميين المتشددين أو اليساريين أو اليمينيين المتطرفين.

على الفور، يعكس هذا التخوف قناعاتهم الناتجة عن تجاربهم الخاصة بأن الحركات المتطرفة والشبكات الاجتماعية تتمتع بقوة تفوق كثيراً قوة الحركات المعتدلة. على الجبهة الإسلامية المتشددة فقط، أشاروا إلى عدة مصادر مختلفة للأنشطة المحلية المهمة، يتمتع كلٌّ منها بدعمٍ خارجي. ويقولون إن “حزب الله” يتمتع بوجود محلي قوي. وكذلك يتمتع اللوبي الإيراني الأوسع بقوة كبيرة أيضاً.

وعلى الجانب السُّني، يلعب الإخوان المسلمون دوراً نشطاً ومؤثراً، وإن كان ذلك يتم بهدوء وفي الخفاء. وأشار أحد مضيفيَّ إلى مسجدٍ بارز في شارع رئيسي بوسط المدينة، قال إن السلطات النمساوية أغلقته مؤخراً، وإن إمام هذا المسجد قد جرى ترحيله من البلاد؛ بسبب التحريض الذي يقوم به على طريقة الإخوان المسلمين. ومع ذلك، تمكنت الجماعة من المحافظة على أنشطتها المحلية في أشكال متعددة، وتحت أسماء مختلفة؛ بل تمكنت من الحصول على صوت مؤثر ومكان على الطاولة، مع المؤسسات الحكومية والعامة الأوروبية.
تدعم النمسا الجماعات المعتدلة
والأمر الأكثر إثارة للدهشة، بالنسبة إليَّ على الأقل، كان قلق محاوري من تنامي الإسلام الراديكالي التركي في النمسا، وحتى أكثر من ذلك في ألمانيا المجاورة. وقد أكدت اتصالاتي أن حركة “ملي غوروس” المتشددة، تزداد قوة، كما أن الرئيس التركي أردوغان يشجع أتباعه علانيةً في أوروبا على “إنجاب المزيد من الأطفال”، ونشر رسالة الإسلام الصاعد. وينقل مئات الأئمة المستوردين من تركيا هذه الرسالة على مستوى الأحياء.

وفقاً للتقديرات الأكثر تحفظاً، تستضيف ألمانيا حالياً أكثر من ثلاثة ملايين مقيم من أصولٍ تركية؛ معظمهم بصفة (عامل ضيف) وصلوا في العقود الأخيرة من القرن العشرين. ومعظم هؤلاء -وفقاً لأحد مصادري الذي يحمل الجنسية الألمانية- متعاطفون مع النمط الإسلاموي الأردوغاني، نسبياً أكثر من الجمهور في داخل تركيا اليوم، وهذا الأمر يمتد إلى من هم من أصول كردية أو مختلطة. وقال المصدر: بما أن معظم هؤلاء المغتربين ما زالوا يتمتعون بحق التصويت في الانتخابات التركية، فهم من قد يقلبون الميزان هناك لصالح أردوغان.

هذه الجاليات العرقية التركية أو العربية (أو غيرها من المهاجرين المسلمين) في أوروبا لا تختلط كثيراً مع بعضها -وفقاً لمضيفي في فيينا- ومع ذلك، فإن تطرف بعضهم يميل إلى اتباع مسارات متوازية. فالإسلامويون من مختلف الأصول غالباً ما يحصلون على بعض التعاطف من اليسار الأوروبي المتطرف؛ ولكن اليمين المتطرف أيضاً يجد في بعض الأحيان قضايا مشتركة تجمعه بهم، على الأقل في ما يتعلق بالمشاعر المعادية للسامية والمعادية لإسرائيل. وقد أعرب مضيفي عن أسفه لخروج الإسلاميين واليمينيين واليساريين المتطرفين معاً في مظاهرات؛ احتجاجاً على الحرب الأخيرة في غزة، بينما لا يكاد أحد يحتج علناً على أعمال القتل واسعة النطاق التي قام بها نظام الأسد في سوريا.
تخوض النمسا معركة طويلة الأمد لمكافحة التطرف
وفي مواجهة هذا المدِّ يعمل المسلمون الأوروبيون المعتدلون الذين التقيتهم بجد للتواصل على المستوى الشخصي مع نظرائهم من المجتمعات المسيحية واليهودية داخل أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية؛ وحتى في إسرائيل. وهم ينشطون بشكلٍ كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، ومقاطع الفيديو، والمنصات الأخرى في العديد من اللغات الأوروبية. ويقولون إن أنجح هذه الجهود هو تلك التي ترتكز على القضايا المحلية العملية، بدلاً من القضايا السياسية أو الدينية الدولية.

وهذه المجموعات لا تتمتع إلا بموارد محدودة للغاية؛ فعلى سبيل المثال، قامت إحدى منظماتهم غير الحكومية بإنتاج 60 مقطع فيديو حول الحوار بين الأديان والموضوعات ذات الصلة خلال العام الماضي، ومع ذلك فقد اضطرت إلى التخلي عن برنامجها هذا العام بسبب نقص التمويل. وفي هذا الصدد تشعر هذه المجموعات بالعجز أمام المنافسة المتطرفة التي تتمتع بموارد محلية وخارجية أكبر بأضعاف مضاعفة.

علاوة على ذلك، فإن الاستجابة التي يلاقونها من مواطنيهم الأوروبيين؛ خصوصاً على المستوى المؤسساتي، عادة ما تكون بيروقراطية وفي غاية الحذر. وعلى سبيل المثال، قامت هذه الشبكة من المنظمات غير الحكومية بالاشتراك في إنتاج برنامج وثائقي تليفزيوني حول توسع نفوذ الإخوان المسلمين السري في أوروبا. ثم جمعت نحو مليون توقيع على عريضة تطالب بالنظر في هذه المسألة من قِبل لجان الاتحاد الأوروبي ذات الصلة. ومع ذلك رفض الاتحاد الأوروبي ذلك بحجة أنه غير مؤهل للتمييز بين “الإسلام الجيد والإسلام السيئ”.
تخوض النمسا معركة طويلة الأمد لمكافحة التطرف
وكانت الردود الأخيرة، حتى من نظرائهم العرب في الخارج، مخيبة للآمال بنفس القدر بالنسبة إلى مضيفي في فيينا. فالقنوات التليفزيونية العربية، على سبيل المثال، رفضت بث أي جزء من العمل الوثائقي حول الإخوان المسلمين. وتشعر هذه المجموعات على نطاقٍ واسع أن الحلفاء العرب المحتملين -حتى الحكومات والمجتمعات العربية التي تحمل نفس التفكير- يتجهون حالياً نحو الانكفاء للداخل بدلاً من المحافظة على التزاماتهم تجاه المسلمين المعتدلين في الخارج. وتعتقد هذه المجموعات أنه لا شيء سوى دفعة قوية من الولايات المتحدة يمكنه أن يعيد بعض الزخم إلى هذه الحملة السياسية العالمية المهمة.

وفي الوقتِ نفسه، لاحظتُ أن هذا الانفصال قائم في الاتجاهين؛ فالمجموعات في فيينا تعرف الكثير على سبيل المثال عن الإخواني المتطرف القطري الشيخ يوسف القرضاوي الذي أعطته قناة “الجزيرة” شهرة واسعة عبر العالم الإسلامي؛ ولكن في الوقت نفسه، لا أحد يعرف إلا القليل أو لا يعرف شيئاً على الإطلاق عن الشيخ السعودي محمد العيسى؛ أمين عام رابطة العالم الاسلامي خلال السنوات الخمس الماضية، الذي يحاول تحويل تلك المنظمة إلى منارة للاعتدال والتسامح.

وبشكلٍ عام، بينما سيكون من الخطأ استخلاص استنتاجاتٍ شاملة من زيارة واحدة، فقد تشكل عندي انطباع قوي بأن هؤلاء النشطاء المسلمين الأوروبيين المعتدلين لن يتراجعوا عن معركتهم، على الرغم من أنهم يرون بوضوح أنها ستكون معركة طويلة وشاقة. وهم على دراية تامة بالخصوم الكثر والعقبات العديدة التي يجب عليهم تجاوزها، ومع ذلك فهم يأملون أنهم، مع القليل من المساعدة من أصدقائهم في الشرق والغرب، سيتمكنون من البقاء في اللعبة والانتصار في نهاية المطاف أو على الأقل من احتواء التيارات المتطرفة التي تحيط بهم.

لذلك، فالخطوة الأساسية في هذا الاتجاه هي ببساطة في جعل هذه العناصر المعتدلة أكثر وعياً بوجود بعضها البعض، وأكثر تواصلاً في ما بينها؛ وبالتالي أكثر فاعلية. من الناحية الواقعية، ربما تحول المنافسة والخلافات المحلية دون وجود معسكر مسلم معتدل موحد، ولكن مع ذلك ينبغي أن تتمكن مجموعات مثل تلك الموجودة في فيينا من الارتباط مع مجموعاتٍ مشابهة في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط؛ من أجل مواجهة التحديات الخطيرة المشتركة التي يفرضها أولئك الذين يعظون -ويمارسون- نقيض السلام والاحترام المتبادل وحسن النية الشامل.
ديفيد بولوك

نقلا عن موقع كيوبوست
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق