جاري تحميل ... لنكتمل بالمعرفة INFOGRAT

إعلان الرئيسية

آخر الاخبار


تعتبر جمهورية النمسا واحة وارفة للثقافة والموسيقى والتراث الحضاري الإنساني، في القلب من القارة الأوروبية، وقد لعبت عبر التاريخ الأوروبي الحديث دوراً متقدماً على صعيد ترقية معارف وعلوم وأذواق الشعوب في القارة عامة، وليس داخل حدودها الوطنية فحسب.

والحال أن النمسا دولة ذات تاريخ ثقافي ثري وممتد منذ قرون طويلة جعلها إحدى أبرز أيقونات الحضارة والثقافة الأوروبية، إذ قدمت إنجازات كبرى في هذا المجال. ومع هذه العراقة لا يقتصر أيضاً دورها على الحفاظ على التقاليد الثقافية والموروث التاريخي، وإنما لها كذلك دور وحضور ثقافي بارز للغاية في الوقت الراهن، ولها مساهمات واسعة مؤثرة في المشهد الثقافي والحضاري الحديث. وقد عرفت النمسا كإحدى أهم نقاط الارتكاز الثقافي الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وإن كانت نهضتها الثقافية قد بدأت قبل ذلك التاريخ بكثير، وهي مسقط رأس العديد من الملحنين العباقرة المشهورين الذين تحتفي الإنسانية جمعاء بإبداعاتهم الخالدة، من أمثال جوزيف هايدن، ومايكل هايدن، ويوهان شتراوس، هذا فضلاً عن عبقري كل الأزمنة الموسيقار النمساوي الأشهر فولفغانغ موزارت.

ثراء ثقافي
بدأت النمسا صعودها الباهر كمركز ثقافي لأوروبا في أوائل القرن السادس عشر، بسبب رعاية أسرة «آل هابسبورغ» للفنون والثقافة بنوع خاص على أراضيها، وهذا ما يفسر وجود كل هذا العدد الكبير من دور الأوبرا والمسارح والأوركسترات، فضلاً على التقاليد الموسيقية العريقة، مثل كونشرتو العام الجديد لفرقة الفيلهارمونيكر الفييناوية وغيرها. وتشكل الأعداد الكبيرة من دور الكونشرتو النمساوية والمسارح الموسيقية، ودور العرض الدرامي العريقة مؤشراً دالاً بعمق على الثراء الإبداعي الواسع، وجودة الحياة الثقافية، وما يكتنفها من مباهج الاستمتاع بالفن والجمال.

وحين تقدر للمرء زيارة النمسا، يكاد يشعر وكأنه يعيش في عالم مغاير عن بقية دول أوروبا الأخرى، ذلك أن معالم وملامح الرقي تتبدى في كل خطوة وكل زاوية ومكان، ما بين دور الأوبرا، ومراكز الفنون المتعددة، ودور الموسيقى بأنواعها، والمعارض المنتشرة في كل حي وشارع. أما عن الهندسة المعمارية ذات الطراز الباروكي، فستذهلك، ولهذا اعتبرت منظمة اليونسكو العديد من المواقع والصروح النمساوية تراثاً عالمياً، وقد برع النمساويون بشكل خاص في تثمين والحفاظ على هذه الكنوز الثقافية والحضارية، كما هو الحال مع المدينة القديمة بأكملها في سالزبروغ.

فيينا.. المدينة البهيجة
وما أكثر جوانب التميز والتفرد الثقافي التي تتميز بها العاصمة النمساوية فيينا عن بقية عواصم الدول الأوروبية الأخرى. ويمكن القول هنا، تحديداً، إن فيينا هي عاصمة الموسيقى الأوروبية بصفة عامة، والكلاسيكية منها بصورة خاصة، فأينما تتوجه في هذه المدينة البهيجة، ستصل أسماعك أصداء موسيقى بيتهوفن وكليمت وموزارت، التي يستمع ويستمتع بها السكان المحليون والسياح، وتنتشر كالهواء في الفضاء العام في كل مكان.

وضمن فضاءات المشهد الثقافي الراقي في فيينا، تكتسي المقاهي أيضاً أهمية خاصة، حيث تعتبر فضاءاتِ ثقافة وتواصل مكتنزة الذاكرة يحبها السكان المحليون والسياح على حد سواء، وتصدق فيها المقولة الأدبية الكلاسيكية الشهيرة: «المقاهي أندية الشعوب». وهي تكتسب في فيينا بالذات طابعاً متميزاً، إذ توفر مساحات للمناقشات الأدبية والثقافية، أو قراءة الصحف، وفي داخل كل مقهى ستجد صوراً معلقة لفلاسفة وكُتاب وفنانين وموسيقيين وسياسيين وعلماء أوروبيين زاروا تلك المقاهي العريقة، وتركوا ذكرى فيها بعينها منذ القرن التاسع عشر، ما جعل تلك المقاهي مراكز ثقافية حقيقية تجتمع فيها العقول العظيمة، وفي كل ركن منها تحتشد ذكريات عن عباقرة ومبدعين مروا من هناك ذات يوم.

المتحف الأوروبي- العربي
وفي السنوات الأخيرة اهتمت النمسا كثيراً بترسيخ وتوسيع العلاقات الثقافية العربية - الأوروبية عامة، والعربية النمساوية خاصة، ففي عام 2015 دشنت على شبكة الإنترنت ما بات يعرف بـ«المتحف الأوروبي العربي»، وذلك بمشاركة متحف تاريخ الفن النمساوي. وفي هذا الاحتفال أشارت رئيسة منظمة «متحف بلا حدود» النمساوية، لئيفا شوبرت، إلى أن المتحف يتناول تاريخ العلاقات بين الجانبين خلال فترة تمتد لنحو قرن من الزمن بين عامي 1815 و1918، مضيفة أنه يشمل 4630 موضوعاً ومادة ثقافية وتاريخية.

والحال أن هذا المتحف كان لمسة تصالحية وتسامحية، تعزز الحوار والجوار والتعارف والتآلف بين العالمين العربي والأوروبي، ودعوة توافق وتواشج ومودة في زمن صعود القوميات المتطرفة والنزعات الانعزالية، ولهذا اعتبر المتحف خطوة إيجابية ومبادرة بناءة لتعزيز أواصر الحوار بين العالم العربي وبقية دول العالم الغربي في الوقت الذي يساء فيه الفهم. وجاء المتحف كخطوة تعزز الفهم المشترك للتراث خاصة بين أوروبا وشعوب البحر الأبيض المتوسط، ولاسيما أنه يحتوي على مادة تاريخية ساهمت فيها أكثر من 92 مؤسسة من الدول المعنية، تعكس في شكلها العام وجهات نظر متنوعة تشمل الاختراعات والتطوير والهجرة والثقافة والتنمية الحضرية.

شراكة ثقافية وتاريخ ممتد
وفي أوائل مارس من عام 2020، أي قبل تفشي جائحة فيروس كورونا «كوفيد-19» على صعيد عالمي، أطلقت النمسا فعاليات الموسم الثقافي العربي- النمساوي، بهدف تعزيز التفاهم المشترك العابر للحدود. وقد حمل الموسم الأول عنوان «شراكة ثقافية وتاريخ ممتد»، والعنوان في حد ذاته يشي بالقدر الكبير من التواصل البشري، ويباعد شبح حتمية المواجهات الثقافية، كما في رؤية ما يسمى صراع الحضارات.

وكان الموسم بمثابة تفعيل لدور الثقافة والفن والموسيقى في نشوء وارتقاء حوار يوفق ولا يفرق بين الأمم، ولاسيما بين دول حوض البحر الأبيض المتوسط وما حوله من بلدان عربية، ارتبطت لفترات تاريخية ممتدة بعلاقات وثيقة مع القارة الأوروبية. وهذا الموسم كان أول فاعلية ثقافية نمساوية- عربية، تهدف إلى إطلاع المجتمع النمساوي على المكون الثقافي والحضاري العربي المبني على المحبة والسلام. وقد أظهر الحضور العربي أهمية الفنون والثقافة العربية بألوانها المختلفة، انطلاقاً من الحرص والاقتناع المشترك بأهمية دروها في تعزيز التقارب والتآلف بين الأمم والثقافات والشعوب. وتؤكد صفحات التاريخ أن النمسا كانت لها علاقات متميزة في مختلف المجالات مع الدول العربية، والتي تمتد لعقود من الزمن، ومن هنا فقد حرصت غالبية الدول العربية في هذا الموسم الثقافي على إطلاع المجتمع النمساوي على مقومات الثراء الثقافي للحضارة العربية الأصيلة باعتبارها عاملاً مهماً وأساسياً في نشر الوعي الحضاري بين الأمم، ولإغلاق الأبواب في وجه دعوات العنصرية ونزعات الكراهية، ولاسيما تلك التي تحاول الوقيعة بين أوروبا والعرب.

وطن العباقرة والمبدعين
لقد قدمت النمسا للعالم موسيقيين وكتاباً، وفنانين وملحنين، وفلاسفة ومفكرين، وقادة سياسيين، كان لهم دور وحضور كبيران في المشهد الثقافي والفكري والعلمي الإنساني، وإضافة إلى أسماء عبقارة الموسيقى والفلسفة والعلم والفن النمساويين المشاهير المشار إليهم بشكل خاطف من قبل على سبيل المثال لا الحصر، لعل من أهم الأسماء التي لا تزال الذاكرة تستدعيها أيضاً كلما جاء ذكر النمسا، سيجموند فرويد، الطبيب ومؤسس علم النفس الحديث ومنشئ مدرسة التحليل النفسي، وهو صاحب مقولة: «لا يزال التعمق في اللاوعي، خطوة شديدة الأهمية تجاه معرفة أصدق بالسلوك البشري». وقد ركز فرويد بشكل أساسي في نظرياته على العقل اللاواعي، وكان يعتمد في العلاج النفسي على المعالجة السريرية القائمة على التحليل النفسي، من خلال الحوار بين المريض النفسي والطبيب، لخلق جو من الألفة بينهما.

ومن الأسماء السياسية المهمة التي قدمتها النمسا للعالم في القرن العشرين، يأتي أيضاً كورت فالدهايم، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة (1972-1982)، ثم رئيس جمهورية النمسا (1986-1992). هذا فضلاً عن كوكبة أخرى طويلة من أسماء العباقرة والمبدعين ورجال السياسة والفكر النمساويين البارزين. وهذه مجرد لمحات خاطفة عن حياة النمسا الثقافية، وهي لمحات لا تغني عن الحاجة إلى زيارة أهم معالمها ومدنها لرؤية كل هذا الثراء الثقافي في الواقع. وفي كل مكان هناك يشعر المرء بأنه أمام أيقونة ثقافية تنويرية أوروبية، بأكثر من كونها مجرد دولة عادية ضمن الإطار الجغرافي الأوروبي العام.

وكالات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق