وصف المدون

إعلان الرئيسية

أخر الاخبار

INFOGRAT - فيينا:
البعض، ممن شرّدتهم الحرب في سورية، ووقعوا أسرى الاغتراب واللجوء إلى دول الإتحاد الأوربي لطالما يندبون حظّهم العاثر في الابتعاد عنها، وظلوا في حيرة من أمرهم، و لعنهم الساعة التي خرجوا منها نتيجة الخير الوفير الذي كانوا يعيشون فيه، والجنان التي كانت تأويهم، والمؤسسات الحكومية التي كانت تُسهم في معيشتهم وتساعدهم على ضنك الحياة بدعمهم مادياً، وأنَّ ما شهدته المدن السورية من دمار وتهجير للأهالي هو نقمة، في الوقت الذي يُعد نعمة حقيقية لمسها وعاشها المهاجرون الذي خرجوا منها، وها هم اليوم يُكملون دورة الحياة في العيش في الدول التي وصلوا إليها وبكل حرية.

أ. عبد الكريم البليخ كاتب وصحفي سوري

وأنَّ ما حدث في سورية، وما نتج عن الحرب المدمرة التي حصدت الأخضر واليابس، كان له ايجابياته بالنسبة لكثيرين.. وهذا ما أفرحهم. يكفي أنهم اكتفوا بنور الكهرباء وتوافر شبكة الاتصالات، والخير الذي تسابقت دول "النعيم" مجتمعة على تأمينه للاجئين، فضلاً عمّا قدمته وما زالت تقدمه من خدمات جليلة وبالمجّان، وفي مقدمة ذلك الرعاية الصحية والتعليم الذي يبدأ من رياض الأطفال وحتى الجامعي.. وعلى الرغم من كل ذلك ينبري أحدهم ويبدأ مستذكراً بالتغنّي بالوطن والعيش فيه، والرغبة في العودة له ومحاكاة الأطلال... متناسياً، وكما ذكرنا، ما كان يعيشه من قسوة وحرمان وفاقة وعوز ما بعده وما قبله!.

يكفي إذا ما أردنا أن نذكر مشكلة تأمين رغيف الخبز، الذي كان الأغلبية من أبناء البلد يمضون جلَّ يومهم لأجل الحصول عليه، وغير ذلك من المؤسيات التي ظلّت وإلى اليوم تشكل معاناة حقيقية لم يخلص منها بعد، ويتذكرها معنا الكثيرون من أهلنا في سورية، ويغالون في ذلك، وظل لسان حالهم يُفضّل السكوت بدلاً من البوح والصراخ، وهذا كلّه نتيجة الخوف من المجهول، ومن السلطات السورية التي لا تزالُ، حسب معتقداتهم، تراقب تصرفاتهم وتدونها في سجلات محفوظة، وسيحاسبون عليها لا حقاً. هذا ما يظنونه، نتيجة الرعب الذي عاشوه وتعايشوا معه خلال السنوات التي سبقت الحرب، وما زالت آثارها جلية وإلى اليوم!.

لنكن صريحين أكثر، علينا أن نتفهم واقعنا أكثر، وأن ندرك مشكلتنا بعيداً عن عصابات الأسد وميليشاته الحاقدة التي لا بد أنها زائلة لا محالة، وعلينا أن نكون أكثر التصاقاً بالواقع الذي نعيش ويعيشه معنا مئات الآلاف من المهجّرين السوريين... وتظل الصورة الأسمى هو أن نعيش الواقع، كما هو، وأن نترك كل ما هو بعيد عن مداركنا ويدعونا العودة للوطن.

فلنترك الندب جانباً، ونؤسس لحياة يعيشها معنا كل من هاجر خارج سورية، وهي فرصة، وهناك الكثير من الأهالي في سورية، وبصورة خاصة الشباب حالياً ما زالوا يتمنونها، ويرغبون في الوصول إلى المكان الذي يتباكى عليه كثيرون ولا زالوا يفضّلون بقائهم في ركن من أركان سورية المدمّرة التي يعيش أهلها معيشة ضنكة، وغلاءً مستشرياً، وحياة كئيبة مؤلمة!.

هذه حقيقة، فلماذا تصرخون من جور الدول التي احتضنت عوزكم وفقركم وخوفكم والرعب الذي عايشتموه، وهو ما أوصلكم إلى ما أنتم عليه اليوم من أمان واستقرار وراحة بال، ناهيك بتوافر الكثير من احتياجات الحياة حيث وفرت لكم العيش الرغيد.. فلماذا "كلّما دَق الكوز في الجرّة" تستصرخون وتندبون حظّكم الذي أودعكم في أحضان دول النعيم التي لم تبخل في

جزل عطائها، وفي مدّ يد العون للجميع، وبلا استثناء... ويحلم الكثير من أهلنا في سورية الآن، وفي غيرها في الوصول إلى ما أنتم عليه من رغد العيش والأمان الذي توفّر لكم.

ما يلفت، هو تمجيد المراثي التي تدمي القلب في الصميم، وتنتزع منه عناوين مجبولة بالحب، وفيض من الطيبة والحنان!

آمال وآلام.. وأحلام. مجرد مراثي محزنة، نستدركها مع كل وقفة مفاجئة مع الذات، علّ وعسىَ أن تخفّف عنّا القليل من الهواجس والأحلام، وتبعد عنا شبح اللاءات التي يختزنها العقل الباطن، وبالكاد، تبعث فينا صور جديدة، تترافق مع حياة مبتذلة جافة يعيشُ فيها آلاف الوجوه المتعفّنة، بل مئات الملايين الذين باتوا يتباكون على تراب الوطن، وهم في الواقع، مجرد أعداء يحاولون طمس هويته التي يشرّفنا التمسّك بها.

هذه الصورة، بات يعيشها وبكل مفرداتها، وما زال الكثيرون من أمثال هؤلاء الذين يطلقون صيحاتهم الرنّانة، وبكل وقاحة، مجسّدين بذلك حبّ الوطن والذود عنه، وهذا الحب، وللأسف، مجبول بالبغض، فضلاً عن أنهم ينادون بتحريره، وإلقاء اللائمة على كثيرين ممن يعتنقون بالمراثي سفيراً إلى العديد من أبناء الوطن!

هذا هو حال سوريا اليوم، وهكذا حال مدنها المدمّرة وأهلها المشرّدين الذين خسروا كل شيء ماعدا اسم مدينتهم وموطنهم الأصلي الذين يفاخرون به، على الرغم ما عانوه من شتات وقسوة وقهر وحرمان.

فنتائج الحرب في سورية، برأيي، كان لها إيجابياتها في الوصول إلى بلاد الخير التي كانت حلماً بالنسبة لكثير من الراغبين في العيش في بلاد غريبة، وأثمر عن ذلك تجليات كثيرة. فلنرجم مأساة سبق أن عشناها وبكل مؤسياتها، وعاشها معنا أخوتنا المهجّرين، وها نحن اليوم ـ وبفضل الله ـ تحررنا من عيش فيه الكثير من الفاقة والذل، فلماذا لا نعترف بخدمات دول الاتحاد الأوربي وغيرها من دول العالم التي لم تقصّر في احتضان الإخوة السوريين اللاجئين وإيوائهم ودعمهم مادياً.. والتغلب على معاناتهم؟.

عبد الكريم البليخ
تعديل المشاركة
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

Back to top button