أزمة جفاف تضرب قطاع الطاقة المائية في النمسا وتخفض الإنتاج إلى 33 تيرابايت/ساعة فقط

النمسا ميـديـا – فيينا:

تعتبر الطاقة المائية منذ عقود الركيزة الأساسية لإنتاج الكهرباء المحلي في النمسا، حيث تلعب دوراً مهيمناً بحصة تبلغ نحو 60% مقارنة بألمانيا المجاورة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى. ومع ذلك، فإن التغير المناخي، المصحوب بهطول الأمطار الغزيرة المتكررة وفترات الجفاف الطويلة، يضع توليد الكهرباء عبر الطاقة المائية أمام تحديات متزايدة.

تراجع إنتاج الطاقة المائية وتأثير الجفاف المستمر

كان عام 2024 عاماً قياسياً للطاقة المائية بإنتاج بلغ 45.7 تيرابايت/ساعة (TWh)، ويرجع ذلك في جزء منه إلى الفيضانات. غير أن العام الماضي شهد تراجعاً ملحوظاً، حيث أظهرت ميزانية الطاقة الأولية التي نشرتها هيئة ميزانية النمسا (Statistik Austria) يوم الجمعة أن إنتاج الطاقة المائية في عام 2025 بلغ حوالي 33 تيرابايت/ساعة. وتحتاج الطاقة المائية إلى المطر والثلج، لكن العام الماضي سجل بالفعل عجزاً في الأمطار والثلوج بنسبة 15%، واستمر هذا الجفاف خلال العام الحالي، حيث كان شهر فبراير الوحيد الذي شهد هطول أمطار فوق المعدل، وهو ما لم يكن كافياً لتعويض النقص، الأمر الذي بدأت تشعر به شركات الطاقة بشكل مباشر.

محطات التوليد الجارية هي الأكثر تضرراً

سجلت شركة الطاقة “Verbund” تراجعاً في إنتاج الكهرباء من الطاقة المائية بأكثر من الخمس خلال العام الماضي، حيث انخفضت أرباح المجموعة في السنة المالية 2025 بنسبة 21% بسبب سوء تدفق المياه والتأثيرات السلبية الناتجة عن فرض الضرائب الحكومية على الأرباح. كما لاحظت شركة “EVN” لتوريد الطاقة في النمسا السفلى تراجعاً متفاوتًا من الناحية الإقليمية؛ حيث سلمت بعض محطات التوليد الجارية (Laufkraftwerke) في النمسا السفلى 50% فقط من طاقتها المعتادة العام الماضي، بينما وصلت أخرى إلى 90%. ووصف “Gerhard Christiner”، المتحدث باسم مجلس إدارة شركة تشغيل شبكة الكهرباء “Austrian Power Grid” (APG)، محطات الطاقة المائية الجارية بأنها “قاعدة إنتاج الكهرباء النمساوية”، محذراً من أنه إذا انخفض الإنتاج في بعض أشهر الشتاء، فلن يكون لدى النمسا خيارات تذكر لتعويض هذا العجز محلياً.

الاعتماد على الاستيراد وحساسية المحطات الجارية للتغير المناخي

عند حدوث نقص في الإنتاج، تضطر النمسا إلى الاعتماد على الكهرباء المستوردة، وهو أمر يصطدم بحدود فيزيائية تفرضها شبكات الربط. وإذا تعين تغطية الطلب الوطني على الكهرباء عبر محطات الغاز ومحطات ضخ التخزين، فإن ذلك يؤدي إلى رفع أسعار الكهرباء. وفي هذا السياق، أوضح “Helmut Habersack”، الخبير الهيدرولوجي في جامعة “BOKU” بفيينا، أن محطات التوليد الجارية، مثل تلك المقامة على نهر الدانوب، تتأثر بشكل خاص بالتغيرات المناخية في فصل الصيف كونها أكثر حساسية للتقلبات، في حين تظل محطات ضخ التخزين (Pumpspeicherkraftwerke) أقل تأثراً بهذه التغيرات.

تقلبات طبيعية وتوقعات بتغير موسمي حتى عام 2100

يرى ممثلو قطاع الطاقة أن تطور العام الحالي يشابه العام الماضي؛ حيث صرح “Karl Heinz Gruber”، المدير التنفيذي لشركة “Verbund Hydro Power”، بأن عام 2025 كان من بين أسوأ خمس سنوات مرت على الطاقة المائية، وأن عام 2026 يتطور بشكل مماثل. ورغم ذلك، يرى الخبراء أن هذه القيم تقع ضمن نطاق التقلبات الطبيعية ولا تشير إلى اتجاه هبوطي طويل الأمد، حيث تظهر الحسابات المستندة إلى النماذج المناخية الحالية أن النمسا ستمتلك نفس كميات المياه الإجمالية حتى عام 2100. وأضاف “Habersack” أن التوقعات تشير إلى تغير في الموسمية، حيث سينخفض تدفق المياه صيفاً وبالتالي يقل الإنتاج، لكنه سيعوض على مدار العام بسبب زيادة تدفق المياه في الخريف والشتاء نتيجة لقلة الثلوج وزيادة الأمطار. كما يلعب ذوبان الأنهار الجليدية دوراً كبيراً؛ فبينما تتوفر المياه حالياً صيفاً بسبب الذوبان، فإن هذه الكميات ستقل في العقود القادمة، لتتزامن مع احتياجات أخرى متزايدة مثل مياه الري.

خطط طموحة لتوسيع وتحديث محطات الطاقة المائية

على الرغم من هذه التحديات، تخطط النمسا لتوسيع إنتاج الطاقة المائية لتغطية الطلب على الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030. وينص قانون توسيع الطاقات المتجددة (EAG) على زيادة إنتاج الطاقة المائية بمقدار 5 تيرابايت/ساعة، وهي مشاريع تم تحديدها بالفعل ويعتمد معظمها على محطات الطاقة المائية الصغيرة. ويرى “Gruber” وجود إمكانات لرفع الزيادة إلى 13 تيرابايت/ساعة بطرق مقبولة بيئياً، وذلك من خلال تحديث المنشآت القائمة واستبدال التوربينات لرفع الكفاءة، مشيراً إلى أن المحطات القديمة المصممة لكميات مياه أقل يمكنها إنتاج 100% من طاقتها حتى في ظروف شح المياه. وعلاوة على ذلك، يتم التوسع في محطات ضخ التخزين لامتصاص تقلبات طاقة الرياح والطاقة الكهروضوئية، مما يجعل الطاقة المائية عنصراً قابلاً للتخطيط الجيد داخل شبكة الكهرباء.

ضرورة التكيف التكنولوجي ومراعاة الجوانب البيئية

أكد الخبير “Habersack” على ضرورة تكيف القطاع مع الظواهر الجوية المتطرفة مثل الأمطار الغزيرة والجفاف. ويتم تحديث المنشآت عبر تعديل التوربينات لتوليد الكهرباء بكفاءة عالية حتى في ظل التقلبات الكبيرة في تدفق المياه. كما أشار إلى البعد البيئي عند تحديث محطات الطاقة المائية، مستشهداً بضرورة إبطاء عملية إغلاق التوربينات في محطات التخزين الجبلية لتهدئة تدفق المياه وخفض منسوبها ببطء في مجرى النهر، مما يحول دون نفوق الأسماك في البرك المائية المتبقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى