الحكومة النمساوية تستعد لجولة مفاوضات شاقة حول إصلاح الجنسية وقانون الطلاق والمناخ بعد عامها الأول

فيينا – INFOGRAT:
تكمل الحكومة الفيدرالية النمساوية الأسبوع المقبل عامها الأول في منصبه، وسط حصيلة تشير إلى تنفيذ ثلث التدابير المحددة في البرنامج الحكومي المشترك. وتكشف المراجعة السنوية أن وتيرة التنفيذ كانت مرتبطة بمدى دقة وصياغة الوعود في اتفاقية الائتلاف؛ فكلما كانت المقترحات أكثر تحديداً، زادت سرعة إنجازها، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).
وفور توليها السلطة، باشرت الحكومة معالجة ملفات “تطبيع الميزانية” وتوحيد الأرقام المالية، حيث تم الانتهاء سريعاً من إلغاء “مكافأة المناخ” (Klimabonus) وبدل الإجازة التعليمية، وفرض قيود على العمل الجزئي لكبار السن (Altersteilzeit) وتقاعد الممرات (Korridorpension). كما شهدت الفترة الأولى إدخال نظام “التقاعد الجزئي”، وزيادة الضرائب على البنوك، وإقرار تعديلات ضريبية أخرى.
إنجازات الأحزاب الثلاثة: تسويات سياسية ومكاسب انتخابية
نجح الحزب الاشتراكي (SPÖ) في فرض “فرملة أسعار الإيجارات” (Mietpreisbremse)، وهو أحد مطالبه الجوهرية، بينما لا يزال العمل جارياً على مقترح خفض ضريبة القيمة المضافة على السلع الغذائية الأساسية، وهو بند لم يُدرج صراحة في البرنامج الحكومي الأصلي.
من جهته، حقق حزب الشعب (ÖVP) مكاسب سريعة في ملف الهجرة عبر إقرار “فترة توقف” لمشاريع لم شمل الأسر، كما تم إقرار قانون “مراقبة تطبيقات المراسلة” (Messenger-Überwachung) رغم التحفظات داخل صفوف حزب (NEOS)، بالإضافة إلى فرض حظر الحجاب في المدارس للفتيات دون سن 14 عاماً.
أما حزب (NEOS)، فقد تركزت بصماته في قطاع التعليم عبر إقرار “فصول التوجيه”، وحظر الهواتف المحمولة، وزيادة دعم اللغة الألمانية، وما يُعرف بـ “مكافأة الفرص” (Chancenbonus)، إضافة إلى المدرسة الصيفية الإلزامية وعروض تدريبية جديدة في قطاع رياض الأطفال.
وتضمنت قائمة المهام المنجزة أيضاً إصلاحات أصغر حجماً مثل: تقييد الكسب الإضافي أثناء فترة البطالة، وتوسيع نطاق “أعمال المهن الشاقة” ليشمل مهن التمريض، وتنظيم قواعد “البقشيش”، وإقرار قانون “صور العورات” (Dick-Pic-Paragraf)، واتخاذ إجراءات ضد استغلال مواقف السيارات.
ملفات الصراع: قنابل موقوتة في طريق الائتلاف
رغم الإنجازات، لا تزال الملفات الكبرى والعالقة تثير مخاوف من صدامات سياسية حادة، خاصة تلك التي تمت صياغتها بشكل غامض في البرنامج الحكومي. ومن أبرز هذه الملفات “إصلاح المساعدة الاجتماعية” المقرر مطلع العام المقبل، والذي يتضمن رغبة الاشتراكيين في إقرار “تأمين أساسي للأطفال” (Kindergrundsicherung) مقابل برامج دمج إلزامية. ويزيد من تعقيد هذا الملف قيام بعض الولايات النمساوية بفرض إجراءات مشددة بشكل منفرد.
كما تواجه الحكومة تحدي “الإصلاح الإداري الشامل” بالتعاون مع الولايات والبلديات قبل نهاية العام، وهو ما سيمهد الطريق لإصلاحات هيكلية كبرى في قطاعي الصحة والتعليم.
وفي قطاع الطاقة، تعترف الحكومة بتأخرها عن الجدول الزمني المحدد؛ فمن بين ثلاثة قوانين محورية كان من المفترض إقرارها بحلول صيف 2025، لم يتم إقرار سوى “قانون إدارة الكهرباء” (ElWG)، بينما لا يزال “قانون تسريع التوسع في الطاقة المتجددة” (EABG) و”قانون الغاز المتجدد” (EGG) عالقين. كما تم تأجيل حزمة “توظيف كبار السن” وإلغاء فكرة الضريبة المقطوعة للكسب الإضافي أثناء التقاعد، ليتم استبدالها في عام 2027 بخصم ضريبي لمن يعمل بعد سن التقاعد القانوني.
مشاريع قيد الانتظار وتحفظات الميزانية
تنتظر الحكومة ملفات شائكة أخرى مثل: إنشاء “الادعاء العام الاتحادي”، وإصلاح نظام المنح الحكومية عبر “فرقة عمل” لضمان كفاءة التكلفة، وتطبيق استراتيجية الصناعة الجديدة، وتقليص البيروقراطية. كما تشمل الخطط قانوناً جديداً للمناخ، وإصلاح قانون الجنسية، وقانون الطلاق، ورواتب السياسيين، وقانون القمار، وفرض قيود على وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، بالإضافة إلى إصلاح شامل لهيئة البث النمساوية (ORF) وإعادة هيكلة دعم الصحافة والإعلام.
وتشير التقارير إلى أن المفاوضات ستكون أكثر ضراوة بشأن النقاط التي رُبطت بميزانية عام 2027، ومنها خفض التكاليف الجانبية للأجور (مطالب اقتصادية)، وزيادة تمويل التعليم والصحة، ومبادرة “Aktion 55+”.
أزمة الخدمة العسكرية والتوتر الداخلي
برزت مؤخراً “نغمة نشاز” داخل الائتلاف الذي اتسم بالانسجام النسبي، وذلك بعد إعلان المستشار “كريستيان شتوكر” (ÖVP) بشكل منفرد عن نية إجراء استفتاء عام حول إصلاح الخدمة العسكرية وتمديد فترة الخدمة الإلزامية والمدنية بناءً على توصية “لجنة الخدمة العسكرية”، وهو ما أثار استياء الشركاء لأن البرنامج الحكومي ينص على أن الاستفتاءات يجب أن تُطلق بالاتفاق بين جميع أطراف الائتلاف. كما تبرز خلافات حول مادة “التربية الديمقراطية” التي يدفع بها وزير التعليم “كريستوف فيديركير” (NEOS) مقابل تقليص حصص اللاتينية واللغات الأجنبية، وهو ما يرفضه حزب الشعب بشدة.
الوضع المالي والاقتصادي
على الصعيد المالي، أظهرت البيانات أن الحكومة نجحت في مهمة “ترميم الميزانية” خلال العام الأول بشكل فاق التوقعات، حيث حققت الحكومة الفيدرالية أهدافها المالية بل وتجاوزتها. كما تم إبرام “ميثاق استقرار” جديد بين الحكومة والولايات. وبالتزامن مع ذلك، بدأ الاقتصاد يسجل نمواً طفيفاً بعد أطول فترة ركود في تاريخ الجمهورية الثانية، مع تراجع ملحوظ في معدلات التضخم. ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن مهمة ضبط الميزانية “غير المحببة” ستظل تهيمن على العمل الحكومي في السنوات المقبلة، وأن النجاح طويل الأمد لن يتحقق إلا من خلال إصلاحات هيكلية عاجلة.



