اكتشاف أثري مثير في قصر شونبرون بفيينا.. نافذة مغلقة تكشف سر “ضغط” قاعة الاحتفالات الإمبراطورية
النمسا ميـديـا – فيينا:
كشفت عمليات الترميم الجارية حالياً في قصر “شونبرون” (Schloss Schönbrunn) العريق بالعاصمة النمساوية فيينا، عن مفاجأة تاريخية وأثرية غير متوقعة تتعلق بالتاريخ المعماري لـ “قاعة الاحتفالات” (Zeremoniensaal) داخل القصر. وجاء هذا الاكتشاف الأثري عقب فتح أحد النوافذ التي كانت مغلقة ومبنية بالكامل منذ فترة طويلة، مما أظهر أن القاعة تعرضت لعملية “ضغط” وتقليص لارتفاعها في الماضي ليصبح سقفها أدنى مما كان عليه عند بداية تشييدها.
نافذة مغلقة منذ عقدين تكشف أسرار الماضي
وبدأت تفاصيل الاكتشاف عند قيام خبراء الترميم بفتح إحدى النوافذ المبنية في الواجهة المطلة على حديقة القصر، والتي لم تُفتح لمرة واحدة منذ أكثر من 20 عاماً. وفور إزالة الحواجز، عثر المتخصصون على سقف خشبي قديم وزخارف جصية (ستوكو) كانت مخفية. وتعد هذه المكتشفات دليلاً دامغاً على أن قاعة الاحتفالات الحالية كانت تملك مظهراً وهندسة معمارية مختلفة تماماً في السابق.
وفي تصريحات أدلت بها لبرنامج “Wien heute” عبر شبكة الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون النمساوي (ORF)، أوضحت “آنا مادر-كراتكي”، رئيسة القسم العلمي في “مجموعة شونبرون” (Schönbrunn Group)، أن الإمبراطورة “ماريا تيريزيا” أجرت على مدار أكثر من 40 عاماً تعديلات وتغييرات مستمرة في غرف وقاعات القصر. وأضافت أن قاعة الاحتفالات كانت تضم في الأصل صفين من النوافذ يعلوان بعضهما البعض، مما يعني أنها كانت أكثر ارتفاعاً بشكل ملحوظ، قبل أن يتم خفض سقفها لاحقاً عبر تركيب قبو خشبي مستعار.
سقف خشبي بتقنيات خداع بصري ونماذج ثلاثية الأبعاد
وعلى الرغم من أن سقف القاعة الحالي يظهر للعيان وكأنه مبني من الحجارة أو الطوب، إلا أن المرمم “مارتن سينيكي” من مجموعة شونبرون أكد أنه في الواقع سقف خشبي مغطى بالكامل. وأوضح أن السقف يتكون من تجويف خشبي مُثبت عليه حصيرة من القش، جرى طلاؤها بالجبس وتزيينها بزخارف جصية معقدة للغاية لمنحها المظهر الحجري المخادع.
ولا يزال السبب الدقيق وراء تقليص ارتفاع القاعة مجهولاً حتى الآن، إلا أن “مادر-كراتكي” أشارت إلى وجود فرضية قوية تفيد بأن الارتفاع الأصلي الشاهق لم ينل إعجاب الإمبراطور “فرانز الأول ستيفان”، ولهذا السبب صدرت الأوامر بخفض السقف.
وتعمل الفرق المختصة حالياً على توثيق المساحات الواقعة أسفل وفوق السقف المكتشف عبر تقنيات المسح الرقمي لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد (3D) بالكامل للقاعة. كما خضعت الأخشاب المكتشفة لفحوصات مخبرية دقيقة لتحديد عمرها عبر دراسة حلقات الأشجار السنوية، مما سيساهم في تحديد التاريخ الدقيق لإنشاء هذا القبو الخشبي.
الأهمية التاريخية لقاعة الاحتفالات
تمثل هذه القاعة جزءاً حيوياً من تاريخ البلاط الإمبراطوري، حيث كانت تستخدم في عهد الإمبراطورة “ماريا تيريزيا” كغرفة انتظار ثانية أو رئيسية (Antekammer) تؤدي مباشرة إلى غرفة استقبال الإمبراطور “فرانز الأول ستيفان”. وكانت القاعة تشهد نصب مظلة العرش الإمبراطوري خلال المناسبات الرسمية الكبرى مثل حفلات المعمودية أو تقليد الأوسمة الملكية. ويحل محل العرش اليوم واحدة من أشهر اللوحات الشخصية للإمبراطورة “ماريا تيريزيا”، والتي تظهر فيها كـ “سيدة أوروبا الأولى” بفستان ثمين مصنوع من دانتيل “برابانت” الفاخر.
كما تضم القاعة سلسلة من اللوحات الجدارية الضخمة التي توثق حفل زفاف الأرشيدوق “جوزيف” (الابن الأكبر ومطالب العرش) من الأميرة “إيزابيلا بوربون-بارما”، وهي الزيجة التي شكلت تحالفاً سياسياً بارزاً مع العائلة المالكة الفرنسية وحفيد الملك لويس الخامس عشر.
استمرار الزيارات السياحية وترميم اللوحات داخل القصر
وفي إطار المحافظة على هذه الكنوز، جرى تفكيك اللوحات الضخمة الممتدة على الجدران بعناية فائقة بالتنسيق الكامل مع الهيئة الاتحادية لحماية الآثار (Bundesdenkmalamt). وتقرر إبقاء هذه اللوحات داخل القصر لترميمها عبر إنشاء مشغل وتجميع فني مؤقت خصيصاً لهذا الغرض.
ولضمان تنفيذ أعمال ترميم التكسية الخشبية للجدران والسقف في أفضل الظروف المناخية والتقنية، تم دمج القاعة في هيكل هندسي مبتكر يعتمد على نظام “غرفة داخل غرفة”. وتتيح هذه البنية المؤقتة المصنوعة من سقالات ومنصات مرتفعة لزوار القصر والسياح الاستمرار في العبور وتفقد القاعة بشكل طبيعي ودون أي إعاقة للمسار السياحي التقليدي، على أن يتم الانتهاء الكامل من كافة أعمال الترميم بحلول عام 2027.



