بعد سنوات من الانتقادات.. متحف التاريخ العسكري في فيينا يفتح أبوابه برؤية علمية تقطع مع “التطرف”

النمسا ميـديـا – فيينا:

بدأ متحف التاريخ العسكري في فيينا (HGM) مرحلة جديدة من تاريخه بافتتاح معرض دائم يتناول تاريخ النمسا من عام 1918 إلى 1955، وذلك بعد سنوات طويلة من الانتقادات الحادة التي واجهها المتحف بتهمة “تمجيد أسرة هابسبورغ” وعرض مقتنيات تعود للحقبة النازية دون سياق نقدي أو توضيحي كافٍ. ويُعد هذا المعرض الجديد، الذي يحمل عنوان “العنف – المجتمع”، خطوة مركزية وأساسية لتقديم المتحف كمؤسسة تعليمية معاصرة تتماشى مع المعايير العلمية الحديثة، حيث يسلط الضوء على الكيفية التي يعالج بها المجتمع العنف وتأثيرات الخطاب السياسي المتطرف.

“العنف يبدأ باللغة”: فلسفة المعرض الجديد

تنطلق فلسفة المعرض من مقولة لمديره Georg Hoffmann، أكد فيها أن “العنف يبدأ قبل إطلاق الرصاصة الأولى بوقت طويل”، وهو ما تجسده منصة عرض ضخمة تضم ملصقات انتخابية وصوراً للمستشارين الثمانية في الجمهورية الأولى، تعكس المناخ السياسي المحتقن في تلك الفترة. وتتميز الملصقات المعروضة بلغة حادة ومعاداة صريحة للسامية، مثل استخدام رموز “الأفعى” للإشارة لليهود. وأوضح Hoffmann أن الحرب ليست ظاهرة عسكرية بحتة، بل هي “حالة مجتمعية”، مشيراً إلى أن هذه الملصقات ليست مجرد مواد تاريخية، بل هي جسر يربط بين الماضي وما نشهده اليوم من تدهور في لغة الخطاب السياسي.

إعادة هيكلة شاملة وتجاوز إرث الانتقادات

يأتي هذا المعرض كثمرة أولى لعملية إعادة التنظيم التي بدأت عام 2023 عقب تعيين Hoffmann مديراً للمتحف، وشملت العملية توظيف 26 متخصصاً جديداً في مجالات التقييم الفني والبحث العلمي لأول مرة في تاريخ المتحف، ونقل حوالي 270 ألف قطعة أثرية من مستودعات متهالكة إلى مخازن حديثة. وتأتي هذه التحركات رداً على تقارير “ديوان المحاسبة” ولجنة المؤرخين التي صدرت عام 2019 و2020، والتي انتقدت بشدة وجود “توجهات يمينية متطرفة” وافتقار المتحف لرؤية علمية شاملة، حيث كان يركز سابقاً على “المجد والشرف” العسكري دون تقديم السياق التاريخي والجرائم المرتبطة به.

توثيق الجرائم وكسر “هالة” المقتنيات

يعالج المعرض الجديد المقتنيات بأسلوب “حساس” ونقدي؛ فعلى سبيل المثال، يتم عرض الأريكة التي قُتل عليها المستشار Engelbert Dollfuss عام 1934 بشكل مائل عمداً لكسر الهالة المحيطة بها، كما تم تخصيص ركن للجرائم التي ارتكبها “الجيش الألماني – Wehrmacht”، من خلال خزائن تضم محطات استماع وفيديو توثق مجازر مثل مجزرة “بانسيفو” في صربيا وجرائم القتل الرحيم ضد الأطفال. المعرض يضم 154 قطعة أثرية و32 محطة سمعية بصرية، ورغم وجود بعض الملاحظات التقنية البسيطة مثل صغر حجم خط اللوحات الإيضاحية، إلا أن المعرض نجح في تقديم رواية مقنعة لتاريخ العنف في القرن العشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى