خمسون عاماً على انتفاضة “أرينا”.. القصة الكاملة لصيف 1976 الذي غير الخارطة الثقافية لفيينا

تحيي فيينا الذكرى الخمسين لاحتلال مركز أرينا الثقافي، الذي بدأ كاحتجاج جماهيري في مسلخ قديم عام 1976. تحول الموقع حينها إلى رمز للحراك الشبابي البديل والمناهض للرأسمالية، مستقطباً آلاف الزوار وفنانين عالميين. ساهمت هذه التجربة الفريدة في صياغة الهوية الثقافية المعاصرة للمدينة وترسيخ مفاهيم الاستقلالية الفنية والديمقراطية المباشرة.

انتقل المركز إلى مقره الحالي بعد هدم الموقع الأصلي، حيث استمر كجمعية غير ربحية تستضيف كبار الموسيقيين العالميين. تواجه أرينا حالياً تحديات مرتبطة بالزحف العمراني وشكاوى الضوضاء، مما استدعى تدخلاً رسمياً لتحديث تقنياتها الصوتية. كما يوثق معرض متخصص بمتحف فيينا هذا المسار التاريخي وتأثيره الاجتماعي المستمر.

النمسا ميـديـا – فيينا:

تحيي العاصمة فيينا الذكرى الخمسين لواحد من أبرز الأحداث التي ساهمت في تشكيل هويتها الثقافية المعاصرة، وهي واقعة احتلال “أرينا” (Arena-Besetzung) في صيف عام 1976. فبعد انتهاء حفل موسيقي آنذاك، رفض الجمهور المغادرة، محولين مسلخ الماشية السابق المخصص للاستيراد “سانت ماركس” (Auslandsschlachthof St. Marx) في الدائرة الثالثة بفيينا إلى ما يشبه “مدينة داخل مدينة”، في تجربة فريدة امتزجت فيها اليوتوبيا بالصراعات السياسية. وبمناسبة هذا اليوبيل، استذكرت المغنية العالمية Patti Smith تاريخ هذا المركز الإداري المستقل خلال زيارتها الأخيرة لفيينا، واصفة إياه بأنه “أحد أفضل مواقع الحفلات الموسيقية في العالم”.

صيف 76: تجربة مناهضة للرأسمالية وولادة “الأريناوتن”

وتعود جذور التسمية إلى عام 1970 عندما أطلقت “أسابيع فيينا الاحتفالية” مساراً ثقافياً بديلاً للشباب تحت اسم “Arena 70”. وفي عام 1975، انتقلت الفعاليات إلى مباني الطوب الأحمر للمسلخ القديم. وعندما قررت البلدية هدم الموقع عقب انتهاء فعاليات “Arena 76″، رفض الجمهور إخلاء المكان بعد حفل فرقة “Misthaufen” المحلية، لتبدأ حركة احتجاجية واسعة استقطبت أكثر من 200 ألف زائر.

وشهد الموقع، الذي بلغت مساحته 73 ألف متر مربع، تنظيم حفلات مجانية وعروض مسرحية ونقاشات سياسية واجتماعية أدارها المحتجون الذين عُرفوا باسم “الأريناوتن” (Arenauten). وحظيت الحركة بدعم فنانين بارزين مثل Wolfgang Ambros وGeorg Danzer، بل إن النجم العالمي Leonard Cohen قدم عرضاً مفاجئاً هناك. ووصفت المخرجة الوثائقية Ruth Beckermann، التيوثقت الحدث في فيلم “Arena besetzt”، تلك الحقبة بأنها كانت بمثابة حركة “مناهضة للرأسمالية ونقيض لمجتمع الرفاهية” في مدينة كانت تتسم بالرمادية والمنظور المحافظ الضيق تجاه الشباب.

الهدم والانتقال الاضطراري إلى “المسلخ الداخلي”

ورغم التعاطف الذي أبدته مستشارة الثقافة آنذاك Gertrude Fröhlich-Sandner، إلا أن العقود المبرمة مسبقاً بين المدينة وشركات تجارية حسمت مصير الموقع؛ حيث تم بيع الأرض لشركة “WIBAG”. وفي 22 سبتمبر 1976 قُطعت إمدادات المياه والكهرباء، ليتم هدم المسلخ بالكامل في 12 أكتوبر 1976، وتشييد أبراج سكنية مكانه لاحقاً من بينها مجمع “The Marks” الحالي.

وكبديل، منحت بلدية فيينا للمحتجين مساحة أصغر حجماً تقع في المقابل مباشرة، وهي المسلخ المخصص للاستهلاك المحلي (Inlandsschlachthof) الواقع في شارع “Baumgasse 80″، وهو المقر الحالي لـ “أرينا فيينا”. واعتبر العديد من النشاطين والمثقفين، ومن بينهم مؤسس مجلة “Falter” الإعلامية Armin Thurnher، هذا العرض بمثابة “هدية رخيصة وتنازل ضيق” أجهض حلم تحويل فيينا إلى حي بديل ونابض بالحياة على غرار حي “كريستيانيا” في كوبنهاغن.

استقلالية مستمرة وصراع مع الشكاوى الصوتية

ومنذ عام 1977، تدار “الأرينا” عبر جمعية غير ربحية ذات نفع عام، وتعتمد في نظامها على الديمقراطية المباشرة والاستقلالية التامة. ورغم طبيعتها البديلة، نجحت في استقطاب أساطير الموسيقى مثل David Bowie وIggy Pop وNirvana. وتدار الفعاليات المفتوحة التي تتسع لنحو 3,000 زائر عبر طواقم تصل إلى مئة شخص، وتحت شعار دائم: “حب الموسيقى، كراهية الفاشية”.

وفي الآونة الأخيرة، تحولت جودة التقنيات الصوتية في المركز إلى قضية سياسية؛ فمع انتقال سكان جدد إلى المجمعات السكنية المحيطة “The Marks”، تزايدت الشكاوى من الضوضاء. وبما أن المبنى خاضع لقانون حماية الآثار، تعذر إجراء تعديلات إنشائية، مما دفع بلدية فيينا لتقديم دعم مالي بقيمة 600 ألف يورو لتركيب نظام عزل وصوتيات حديث ومتطور لحل الأزمة. هذا ويقدم “متحف فيينا” حالياً معرضاً خاصاً يستعرض هذه المسيرة التاريخية تحت عنوان “Arena Wien. Jedenfalls ist es Liebe!” ويمتد حتى 27 سبتمبر المقبل.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى