درجات حرارة المدارس في النمسا تتجاوز 30 مئوية و90% من الطلاب والمعلمين يشتكون الإجهاد الحراري

النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:

أظهرت نتائج دراسة حديثة أُعلنت تفاصيلها أمس الثلاثاء، ضمن مشروع البحث العلمي “Climate Ready Schools”، أن ما يقرب من تسعة من بين كل عشرة طلاب ومعلمين في النمسا يعانون بشكل كبير من الإجهاد الحراري داخل المباني المدرسية التي تحولت فصولها إلى ما يشبه “الدفيئات الزجاجية” مع بداية الصيف المبكر. ورصد الباحثون تسجيل درجات حرارة تجاوزت حاجز 30 درجة مئوية في إحدى مدارس منطقة Bruck an der Leitha بولاية النمسا السفلى منذ نهاية شهر مايو الماضي، وسط تحذيرات طبية وبيئية من انعكاسات هذه الظاهرة على التحصيل العلمي والعدالة التعليمية والصحة العامة.

قياسات صادمة في الفصول الدراسية

أشارت القياسات الميدانية المنهجية الأولى من نوعها في النمسا، والتي يشرف عليها المعهد النمساوي للتكنولوجيا (AIT) بالتعاون مع جامعة فيينا للتكنولوجيا (TU Wien)، إلى أن درجات الحرارة داخل الغرف الصفية في العديد من المدارس أصبحت تتجاوز بانتظام 27 درجة مئوية وما فوق في مطلع الصيف، في حين أن الدرجة المثالية للتركيز والاستيعاب تتراوح بين 22 و23 درجة مئوية فقط. وشمل استطلاع الرأي المصاحب للمشروع أكثر من 1500 طالب وطالبة ومعلم في خمس مدارس شريكة موزعة بين فيينا والنمسا السفلى، حيث أكد 74% منهم إصابتهم بصعوبات شديدة في التركيز، وعانى نفس العدد من التعب والإرهاق، بينما واجه 66% صعوبة في متابعة الدروس، واشتكى 58% من صداع مستمر. وفي هذا الصدد، صرح Martin Schneider، مدير المشروع وخبير مناخ المدن في (AIT) لشبكة ORF Wissen، قائلاً: “عندما يبلغ ثلاثة أرباع المشاركين عن مثل هذه المشكلات، فإن الإجابة على سؤال ما إذا كان التعلم المركّز لا يزال ممكناً في هذه الفصول هي (لا) واضحة تماماً”.

تمدد موجات الحر إلى أشهر الدراسة

أوضح الخبير Martin Schneider أن المشكلة ليست جديدة في حد ذاتها ولكنها تفاقمت بوضوح؛ فمنذ الفترة الممتدة بين عامي 1961 و1990، تضاعفت الأيام الشديدة الحرارة (التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية) في فيينا ثلاث مرات، وارتفع عدد الصيفيات التي تزيد حرارتها عن 25 درجة بنحو 70%. واللافت للنظر والمقلق للمنظومة التعليمية أن الأيام الحارة لم تعد تقتصر على العطلة الصيفية في شهري يوليو وأغسطس، بل أصبحت تمتد بشكل متزايد إلى أشهر العطلات الانتقالية والدراسة الفعالة في مايو، يونيو، وسبتمبر. وتُظهر التوقعات المناخية الحالية استمرار هذا الاتجاه، حيث يتوقع Schneider أنه بحلول النصف الثاني من القرن الحالي، قد تشهد أشهُر مايو وسبتمبر أنماطاً حرارية مشابهة لشهر يونيو الحالي، مؤكداً أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى سرعة قدرتنا على تكييف المدارس مع هذه الظروف المناخية المتغيرة.

غياب الفوارق بين الريف والمدينة والارتباط بالبنية التحتية

وفقاً لخبراء المشروع، لا توجد فوارق جوهرية تذكر في مستوى الإجهاد الحراري بين المدارس الواقعة في المدن وتلك الموجودة في المناطق الريفية؛ إذ إن الموقع الجغرافي والإقليمي ليس السبب الرئيسي، بل تحدده حالة المبنى والموقع المدرسي نفسه. وتلعب عوامل مثل وجود تظليل خارجي، وحجم المساحات الخضراء المحيطة، وتوجيه النوافذ والفصول تجاه أشعة الشمس، الدور الحاسم في تخفيف أو زيادة حدة الحرارة.

مخاطر صحية وتهديد للعدالة التعليمية

منظور الطب البيئي جاء داعماً لهذه المخاوف، حيث أوضحت طبيبة البيئة Daniela Haluza من جامعة فيينا الطبية (MedUni Wien) خلال مؤتمر صحفي، أن الأطفال والشباب يتأثرون بسرعة أكبر بالإجهاد الحراري لأنهم يفقدون السوائل بشكل أسرع، كما أن قدرة أجسادهم على التبريد الذاتي أقل كفاءة مقارنة بالبالغين، ولذلك فإن الحرارة في المدارس ليست مجرد مسألة رفاهية أو “عدم راحة”، بل هي خطر صحي وتعليمي مثبت بالأدلة. وأضافت الطبية أن الكثير من التلاميذ يصلون إلى مدارسهم وهم مرهقون أساساً بسبب “الليالي الاستوائية” في المناطق الحضرية التي تمنع النوم العميق وتزيد من فترات الاستيقاظ ليلاً. كما حذرت Haluza من أن عواقب الحرارة ترتبط بعدالة التعليم؛ فالمدارس ذات البنية التحتية المتهالكة والمساحات الإسمنتية المغلقة وغير المعزولة حرارياً تتأثر بشكل مضاعف مقارنة بالمدارس الحديثة أو المرممة التي تحيط بها الحدائق، مما يجعل الحرارة قضية تمس التكافؤ الاجتماعي والتعليمي.

حلول عاجلة وأخرى بعيدة المدى

أكد تقرير المشروع وجود حزمة من التدابير الفورية ومجانية التكلفة وأخرى تتطلب استثمارات طويلة الأجل لحماية المدارس. وتتضمن الحلول العاجلة التنسيق الجماعي لفتح النوافذ للتهوية المتقاطعة في الصباح الباكر، والإغلاق الصارم للمظلات والستائر الخارجية، وتوفير فترات منتظمة لشرب المياه. كما أشار الخبراء إلى نقطة تقنية منسية وهي استمرار عمل أنظمة التدفئة في بعض المدارس حتى شهري أبريل أو مايو لعدم مرونة الأنظمة المركزية. وتنظيمياً، يمكن نقل الامتحانات والاختبارات المدرسية إلى ساعات مبكرة من الصباح أو إجرائها في قاعات أرضية تكون أكثر برودة بطبيعتها مثل الردهات الكبرى أو المقاصف المدرسية. أما على المدى الطويل، فيبرز دور التعديلات الهيكلية مثل تركيب أنظمة حماية من الشمس ومظلات خارجية، وتحسين شبكات التهوية، وإزالة الإسفلت وزيادة المساحات الخضراء في الفناء المدرسي، وهي قرارات بيد مالكي المباني (البلديات أو الولايات) وليس المدارس بمفردها.

السعي نحو نموذج مرن بحلول 2027

شدد Martin Schneider على عدم وجود “حل سحري” عالمي ومنخفض التكلفة، بل يسعى مشروع “Climate Ready Schools” الممتد حتى عام 2027 إلى ابتكار واختبار حلول متنوعة تتناسب مع الخصوصية البنائية لكل مدرسة. ويشارك الطلاب والمعلمون بنشاط كباحثين في ورش عمل (تم تنفيذ 9 منها حتى الآن) لتقديم أفكار ومقترحات مبتكرة من واقع تجربتهم اليومية. ويهدف المشروع في نهايته إلى تطوير أداة فحص واختبار تسمى “Climate Readiness Check” لتمكين الإدارات المدرسية من تقييم مرونتها المناخية وتحسينها بشكل موجه، خصوصاً وأن 91% من المشمولين بالاستطلاع يرون ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لحماية المدارس من القيظ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى