معاهدو البحوث الاقتصادية بالنمسا: ميزانية 2027/28 “دون أي هوامش أمان” ولن تصمد
النمسا ميـديـا – فيينا:
أعربت مارغيت شاتزنستالر، خبيرة الميزانية في معهد البحوث الاقتصادية (WIFO)، وهولغر بونين، رئيس معهد الدراسات المتقدمة (IHS)، يوم الأربعاء، عن شكوكهما الكبيرة في إمكانية صمود الميزانية الثنائية المقترحة؛ حيث وصفا خطة إصلاح الموازنة بأنها “حُبكت على الحافة” دون أي هوامش أمان. وشاطرهما في هذا التشكيك كريستوف بادت، رئيس مجلس الاستقرار المالي (Fiskalrat)، مطالباً باتخاذ قرارات أسرع وأكثر عمقاً لإقرار إصلاحات هيكلية طال انتظارها، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء النمساوية (APA).
وأوضح معهدا (WIFO) و(IHS) أنه في ظل الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، لن تتمكن الميزانية الثنائية بصيغتها التي قدمها وزير المالية Markus Marterbauer من الصمود، وتوقع الخبراء الاضطرار إلى مراجعة الميزانية وتعديل بنود الإيرادات أو النفقات مستقبلاً. وجاء الانتقاد الجوهري الثاني من شاتزنستالر وبونين ليؤكد أن غياب الإصلاحات الهيكلية يحرم ميزانية الجمهورية من الاستقرار على أسس متينة على المدى الطويل.
توقعات بفشل مستهدفات خفض العجز
وفي مقابل إشادة بونين وشاتزنستالر بنجاح الحكومة في صياغة ميزانية ثنائية تضمن وضوح التخطيط للعامين المقبلين، ووصف بادت هذا الإجراء بأنه “إنجاز لافت” بالنظر إلى التباين بين الشركاء في الائتلاف الحكومي، إلا أن بونين وبادت أكدا بثقة أن هذه الخطوات لن تكون كافية لخفض العجز السنوي إلى النسبة المستهدفة البالغة 3% بحلول عام 2028.
ووفقاً لحسابات معهد (IHS)، فإن عجز الموازنة لعام 2028 سيتراوح بين 3.2% و3.3% من الناتج المحلي الإجمالي تحت الظروف الحالية، متجاوزاً بذلك الحد الأقصى المسموح به بموجب قواعد “ماستريخت” الأوروبية. وحذر بونين من أن هذا العجز مرشح للارتفاع في ظل الأزمات الجيوسياسية واحتمالية تسجيل ولايات النمسا التسع لعجز مالي أكبر. ومن جانبه، توقع مجلس الاستقرار المالي (Fiskalrat) -الذي يستبعد عدة إجراءات حكومية لعدم مأسستها وبلورتها بشكل ملموس- أن يصل العجز إلى 3.8% في عام 2028، ما يعنى تمديد الاتحاد الأوروبي لإجراءات تعقب العجز ضد النمسا.
غياب هوامش الأمان وهيكلة التدابير
وأكدت خبيرة الميزانية في معهد (WIFO) خلو الميزانية من أي مصدات حمائية في حال تدهور الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية مقارنة بالفرضيات التي بُنيت عليها الموازنة، ملمحة إلى إمكانية إشراك الولايات والبلديات في تحمل أعباء خطط التقشف الإضافية العام المقبل إذا استدعى الأمر.
وأوضحت الخبيرة أن حزمة ضبط الموازنة البالغة 5 مليارات يورو حتى عام 2028 تعتمد بنسبة 70% على بنود الإيرادات (زيادة الضرائب والرسوم) وبنسبة 30% فقط على خفض النفقات. واعتبرت هذا التوزيع منطقياً بالنظر إلى أن بنود النفقات السهلة الخفض قد تم استهلاكها بالفعل في الميزانية الثنائية السابقة 2025/26، فضلاً عن الحاجة لتمويل خفض التكاليف الإضافية للأجور عبر إيرادات جديدة. وفي المقابل، انتقد الخبيران عدم كبح ديناميكية الإنفاق في القطاعات المرتبطة بالتغيرات الديموغرافية (مثل الشيخوخة)، مشددين على حاجتها لإصلاحات هيكلية عاجلة تشمل أنظمة الدعم، الفيدرالية، الرعاية الصحية، التعليم، والمعاشات التقاعدية.
المطالبة بتسريع الإصلاحات وانتقاد الآليات
ورغم رصد شاتزنستالر لخطوات أولية نحو الإصلاح الهيكلي ضمن “شراكة الإصلاح” وأعمال “مجموعة عمل الدعم”، إلا أنها شددت على ضرورة تسريع وتيرة العمل. واتفق معها بونين في وجود مساعٍ لهيكلة بعض القطاعات لتفادي التوجيه الخاطئ، مثل إصلاح تأمين البطالة ورفع كفاءة الإعانات العائلية، مستدركاً بأن التدابير الهيكلية لا تشكل الحجم الأكبر من الموازنة؛ في حين كان الوزير Marterbauer قد دافع في خطابه عن الميزانية بالإشارة إلى أن اتفاقية الاستقرار مع الولايات وخفض ضريبة الدخل المخطط لها تُمثل أبرز التدابير الهيكلية المتخذة.
وثمن الخبيران التركيز على تخصيص اعتمادات تنشيطية لقطاعي التعليم وسوق العمل، غير أن رئيس معهد (IHS) انتقد آلية خفض التكاليف الإضافية للأجور، واصفاً الإجراء بأنه مكلف للغاية وتم توزيعه على نطاق واسع بأسلوب “مرشة المياه” (Gießkanne) بدلاً من تركيزه على تدابير نوعية محفزة للاقتصاد. وعلى الجانب الآخر، وصفت شاتزنستالر سياسة خفض النفقات بأنها اتبعت أسلوب “جزّازة العشب بارتفاعات قطع متباينة” (Rasenmäher)، ما جعلها تطال مجموعات عديدة، مؤكدة أن هذا الأسلوب ليس سيئاً بالضرورة لكنه يتطلب تحليلات دقيقة لمعرفة حجم الأعباء على كل فئة.
غياب الرؤية البيئية والمناخية
أشادت خبيرة (WIFO) بالخطوة التي وصفتها بـ “المتأخرة كثيراً” والمتمثلة في رفع ميزانية المرأة بنسبة تقارب 50%. وفي المقابل، وجهت انتقادات لاذعة لإقرار اقتطاعات في الإطار الهيكلي لاستثمارات السكك الحديدية النمساوية (ÖBB)، واستمرار ضعف تمويل قطاع التعاون التنموي (EZA).
واختتمت شاتزنستالر انتقاداتها بالإشارة إلى غياب “خطوات جادة وصارمة لتعزيز البُعد البيئي في الموازنة”؛ موجهة النظر إلى أن الخفض المخطط له في الدعم الضار بالبيئة بمقدار 190 مليون يورو لعام 2028 يظل محدوداً للغاية مقارنة بالحجم الإجمالي لهذه الإعانات، فضلاً عن عدم تحديد ماهيته بدقة حتى الآن. وأضافت أن إعادة العمل بآلية رد ضريبة الديزل الزراعي تمثل إضافة لدعم جديد ضار بالمناخ، في وقت تفتقر فيه المبادرات التنشيطية الحكومية للاستثمارات الموجهة لحماية المناخ.



