100 ألف يورو تكلفة تربية الطفل في النمسا.. تراجع معدلات الإنجاب والظروف المعيشية في صدارة الأسباب


النمسا ميـديـا – فيينا:
تراجعت معدلات المواليد في النمسا بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، حيث سجلت العام الماضي مستوى منخفضاً قياسياً جديداً بمتوسط بلغ 1.3 طفل لكل امرأة، وذلك وفقاً لبيانات “مقياس المواليد” الصادر عن معهد الديموغرافيا التابع للأكاديمية النمساوية للعلوم (ÖAW) والذي تم تقديمه يوم الاثنين. وأوضحت الباحثة Caroline Berghammer من المعهد في تصريحات لموقع “ORF Wissen” الإلكتروني، أن هذا التراجع لا يعود في المقام الأول إلى غياب الرغبة في إنجاب الأطفال لدى المواطنين، بل يرتبط بشكل مباشر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة، مشيرة إلى أن نسبة عدم الإنجاب بين النساء اللواتي يبلغن من العمر حالياً حوالي 45 عاماً تصل إلى 20%، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى أكثر من 25% بين النساء اللواتي وُلدن بعد عام 1990، وهو معدل مرتفع نسبياً مقارنة بباقي دول الاتحاد الأوروبي التي تشهد مستويات منخفضة مماثلة في معدلات الخصوبة.
تأخر سن الإنجاب الأول والاعتبارات الاقتصادية
شهدت النمسا بين عامي 1984 و2024 ارتفاعاً في متوسط عمر الأم عند إنجاب الطفل الأول بمقدار ست سنوات، ليصل حالياً إلى 30 عاماً. وأشارت الباحثة Caroline Berghammer إلى أن هذا التأخير، رغم ما يحمله من مخاطر صحية، ينطوي على مزايا مثل زيادة استقرار العلاقات الزوجية وضمان وضع مالي أكثر أماناً. وأكدت الباحثة أن التضخم وارتفاع أسعار الإيجارات وتكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة لعبت دوراً حاسماً في اتخاذ قرار تكوين الأسرة، لافتة إلى أن “القدرة المالية” أصبحت شرطاً أساسياً للإنجاب في الوقت الراهن.
التكاليف المباشرة وغير المباشرة لتربية الأطفال
وفقاً لتحليل تكاليف الأطفال الصادر عن هيئة رئيسية هي Statistik Austria، فإن تربية الطفل الواحد حتى بلوغه سن 18 عاماً تكلف في المتوسط نحو 100,000 يورو كنفات مباشرة تشمل السكن، الغذاء، والملابس. وأوضحت الخبيرة الديموغرافية أن هذا الرقم لا يشمل التكاليف غير المباشرة، والتي تتمثل أساساً في فقدان الدخل للأمهات اللواتي يضطررن في الغالب للعمل بدوام جزئي بعد الإنجاب، مما يزيد من الأعباء المالية الطويلة الأجل على الأسرة.
الفجوة التعليمية وتحديات اختيار الشريك
أظهرت تحليلات معهد الديموغرافيا أن الأسباب لا تقتصر على الجوانب المادية فقط، بل تمتد إلى صعوبة العثور على شريك حياة مناسب، لاسيما بالنسبة للنساء ذوات التعليم العالي. ومع تفوق النساء حالياً بشكل ملحوظ على الرجال في الحصول على الشهادات الجامعية، فإن نمط البحث التقليدي عن شريك بمستوى تعليمي مماثل يواجه تحديات متزايدة. وحذرت Caroline Berghammer من أن هذا الوضع قد يؤدي إلى بقاء المزيد من النساء عازبات مستقبلاً، مما ينعكس سلباً وبشكل تلقائي على معدلات المواليد العامة.
توقعات تقسيم العمل المنزلي ورعاية الأطفال
تطرقت الدراسة أيضاً إلى تغير معايير النساء في الوقت الحاضر بشأن تقاسم مسؤوليات رعاية الأطفال والأعمال المنزلية مع الشريك. وتبدي الكثير من النساء تخوفاً من عدم تحمل الرجال لمسؤولياتهم الكاملة في هذا الجانب، مما يجعل تحقيق الرغبة في الإنجاب أمراً معقداً. ويظهر هذا التفاوت بوضوح في إحصاءات الإجازات الوالدية (Karenz)، حيث بينت دراسة أجرتها الباحثة مع زميلاتها أن النساء في النمسا يأخذن إجازة رعاية طفل تصل في المتوسط إلى أكثر من 400 يوم، في حين يقتصر متوسط إجازة الرجال على تسعة أيام فقط، وهو ما يضع عبء المسؤولية بأكمله على عاتق المرأة.
الفجوة بين رغبة الإنجاب والواقع المعاش
أكدت البيانات أن التراجع في المواليد لا يعود إلى نقص الرغبة في الأبوة أو الأمومة، حيث يظهر التحليل أن النساء يرغبن في إنجاب أطفال أكثر مما يحصلن عليه في الواقع، كما أن الرغبة في الإنجاب لدى الرجال تفوق تلك المسجلة لدى النساء. وختمت Caroline Berghammer بالإشارة إلى أن انخفاض عدد الأطفال في المجتمع لا يشكل بالضرورة أزمة مطلقة، إذ تتيح القلة توجيه موارد أكثر لكل طفل، إلا أن الإشكالية الديموغرافية تكمن في عدم تحقيق رغبة الإنجاب لدى الأفراد، لما له من عواقب سلبية تؤثر مباشرة على مستوى الرضا عن الحياة لدى الرجال والنساء على حد سواء.



