بقيادة جامعة فيينا الطبية.. إطلاق مشروع أوروبي بـ 7.5 مليون يورو لفك شفرة متلازمة التعب المزمن (ME/CFS) المعقد

النمسا ميـديـا – فيينا:
ينطلق اليوم، الأول من يوليو، برنامج جديد على مستوى الاتحاد الأوروبي مخصص لأبحاث مرض التهاب الدماغ والنخاع العضلي المصاحب لمتلازمة التعب المزمن (ME/CFS)، وهو من الأمراض متعددة الأجهزة المعقدة. وتتولى البروفيسورة الدكتورة “Eva Untersmayr-Elsenhuber”، خبيرة المناعة وأمراض (ME/CFS) و”كوفيد طويل الأمد” من مركز علم وظائف الأعضاء المرضي وأبحاث العدوى والمناعة في جامعة فيينا الطبية (MedUni Wien)، القيادة الكاملة لهذا المشروع البحثي الدولي الذي يحمل اسم “Discover-Me”. وأوضحت الجامعة في تقريرها المنشور أمس الساعة 10:11 صباحاً، أن المشروع يهدف إلى وضع حجر الأساس لتشخيص أدق وتطوير استراتيجيات علاجية موجهة تناسب المجموعات الفرعية من المرضى.
تمويل أوروبي ضخم يمتد لأربعة أعوام
يحظى مشروع “Discover-Me” بدعم وتمويل مالي كبير من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج الأبحاث الشهير “Horizon Europe”، حيث رُصدت للمشروع ميزانية تتجاوز 7.5 مليون يورو، ومن المقرر أن تمتد الفترة الزمنية للأبحاث على مدار أربعة أعوام كاملة لضمان تحقيق نتائج علمية دقيقة ومستدامة.
تحليل عينات أكثر من 700 مريض ومحاكاة حاسوبية للأدوية
يعتمد المشروع في مرحلته الأولى على جمع وتحديد 2,000 مجموعة من البيانات بهدف التعرف على الأشكال والمظاهر السريرية المختلفة لمرض (ME/CFS). وعقب ذلك، يعتزم العلماء إجراء “توصيف بيولوجي شامل” من خلال فحص وتحليل عينات حيوية لمرضى مستخرجة من عدة بنوك حيوية (Biobanken) أوروبية مستقلة ومتخصصة. وتشمل الدراسة تحليل بيانات ومؤشرات أكثر من 700 مريض بـ (ME/CFS) إلى جانب قرابة 200 شخص من الأصحاء كعينة ضابطة للمقارنة. ويركز الباحثون على رصد التغيرات في الجهاز المناعي، وعمليات التمثيل الغذائي (الأيض)، والتوازن الهرموني، بالإضافة إلى وظائف الميتوكوندريا (العضيات المسؤولة عن طاقة الخلايا)، فضلاً عن تحليل مجموعات البيانات الجزيئية الضخمة.
وتسعى الفرق البحثية إلى تقييم البيانات المستخلصة باستخدام برامج المحاكاة الحاسوبية المتقدمة، حيث يُخطط لفحص واختبار أكثر von 9,000 مادة فعالة ومركب دوائي معروف ومتاح حالياً. ويهدف هذا الإجراء إلى تصفية تلك المركبات واختيار ما بين 20 إلى 50 دواءً واعداً للغاية لإخضاعها لأبحاث واختبارات مكثفة في مشاريع لاحقة. وصرحت الخبيرة “Untersmayr-Elsenhuber” بالقول: “إن هدفنا الأساسي هو تمكين المرضى في المستقبل من الحصول على تشخيص مؤكد في وقت مبكر، وتوفير آفاق علاجية مخصصة ومصممة بدقة لتتناسب مع الآليات المرضية الفردية لكل حالة”.
ملايين المصابين عالمياً وتكاليف اقتصادية باهظة
تُشير التقديرات والبيانات الطبية إلى أن المعدلات الفعلية لانتشار مرض (ME/CFS) أعلى بكثير مما كان يُعتقد في السابق، حيث يُقدر عدد المصابين به حول العالم بنحو 70 مليون شخص. ووفقاً لـ “Untersmayr-Elsenhuber”، فإن الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمرض جسيم للغاية؛ إذ إن أكثر من 60% من المرضى عاجزون تماماً عن العمل، بينما يعاني نحو 20% منهم من أعراض حادة وتدهور شديد يلزمهم الفراش أو المنزل بشكل دائم. وتُقدر التكاليف السوسيو-اقتصادية السنوية الناجمة عن المرض في أوروبا بنحو 40 مليار يورو، مع وجود مؤشرات قوية صادرة بعد جائحة كورونا تؤكد أن هذه التكاليف في تصاعد مستمر.
تشخيص معقد يستغرق سنوات وتحالف علمي أوروبي
يشارك في هذا المشروع الضخم نخبة من أبرز المؤسسات والجامعات البحثية الأوروبية والدولية، ومن بينها “Imperial College London” البريطانية، وجامعة أوبسالا “Uppsala Universitet” السويدية، وجامعة غالواي “University of Galway” الأيرلندية، والمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) في باريس، إلى جانب بنوك حيوية أوروبية متعددة.
ويأتي هذا التحالف لمواجهة صعوبة تشخيص المرض، حيث يؤثر (ME/CFS) بشكل معقد على الجهاز المناعي والعصبي والهرموني واستقلاب الطاقة، ويتم تشخيصه حالياً في العيادات والمستشفيات بالاعتماد الكلي على المعايير السريرية البحتة بعد استبعاد كافة الأمراض والأسباب الأخرى المحتملة للأعراض بعناية. ويتسبب هذا التمحيص المعقد في هدر “وقت ثمين” للمرضى؛ إذ تظهر بيانات الأبحاث الصادرة عن جامعة فيينا الطبية أن الوصول إلى تشخيص نهائي ومؤكد للمرض في النمسا وألمانيا وسويسرا يستغرق في المتوسط خمس سنوات كاملة.
الأمراض المعدية كعامل فجر رئيسي للمتلازمة
غالباً ما يظهر مرض (ME/CFS) ويتفجر في الجسم عقب الإصابة بأمراض معدية وفيروسية حادة. وإلى جانب فيروس كورونا المستجد (SARS-CoV-2)، يعد فيروس “إبشتاين-بار” (EBV) المسبب لمرض الحمى الغدية، وفيروسات الإنفلونزا الموسمية من أبرز المحفزات الشائعة للمرض. كما تُصنف السموم (Toxinen) والصدمات الجسدية والنفسية (Traumata) كعوامل مسببة محتملة. ويعد العرض الأكثر وضوحاً وتمييزاً لهذا المرض هو ما يُعرف طبيّاً بـ “وعكة ما بعد الجهد” (Post-Exertional Malaise – PEM)، وهي عبارة عن انتكاسة حادة وتدهور شديد ومفاجئ في الأعراض -غالباً ما يظهر بشكل متأخر زمنيّاً- أو ظهور شكاوى ومتاعب صحية جديدة عقب بذل أي مجهود بدني أو ذهني، حتى وإن كان خفيفاً وبسيطاً.