بعد الإطاحة به من التلفزيون النمساوي ORF.. كريم الجوهري يؤكد تعرضه لحملات تشويه ممنهجة بسبب حرب غزة

النمسا ميـديـا – فيينا:

في مقابلة صحفية أجراها الصحفي Oliver Mark ونشرتها صحيفة Der Standard في الرابع من يوليو 2026، تحدث المراسل المخضرم لشؤون الشرق الأوسط في هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية ORF، الصحفي كريم الجوهري المصري الأصل، عن تفاصيل إنهاء مسيرته المهنية مع القناة النمساوية بعد 22 عاماً من العمل المستمر. وتناولت المقابلة التي جرت في العاصمة فيينا أسباب عدم تجديد عقده التي أرجعتها القناة رسمياً إلى خطة “تغيير الأجيال” وإجراءات التقشف، بينما دارت تكهنات واسعة في الأوساط الإعلامية حول وجود ضغوط سياسية وخلفيات تتعلق بطبيعة تغطيته الناقدة لإسرائيل خلال حرب غزة، ومحاولات تشويه سمعته المهنية، بالإضافة إلى استعراض خططه المستقبلية لإطلاق مشروع بودكاست مستقل لضمان حريته الصحفية الكاملة.

صدمة إنهاء التعاقد وأبعاد القرار الرسمي والسياسي

أوضح كريم الجوهري أن قرار عدم تجديد عقده جاء مفاجئاً تماماً ومن دون أي مقدمات، وتحديداً في نوفمبر 2025، حيث شعر بالصدمة من رغبة إدارة ORF في الاستغناء عن خبرة ميدانية وتخصصية في شؤون الشرق الأوسط تمتد لأكثر من 35 عاماً. وأشار إلى أن التبرير الرسمي والعلني الذي قدمته القناة تمثل في “تغيير الأجيال”، مع الإشارة في بعض الأحيان إلى إجراءات التقشف المالي.

وفيما يتعلق بالتكهنات غير الرسمية التي تشير إلى وقوف حزب الشعب النمساوي ÖVP خلف هذا القرار للضغط على رئيس ORF السابق Roland Weißmann قبل إعادة انتخابه بسبب التقارير الناقدة للسياسات الإسرائيلية، ذكر Karim El-Gawhary أن هذا الأمر لم يُبلغ به صراحة أو يعبّر عنه أمامه، لكنه تحول فوراً إلى محور نقاش عام في الأوساط الصحفية، خاصة وأن تغطيته للأحداث في غزة كانت تثير باستمرار هجمات حادة ضده على وسائل التواصل الاجتماعي تطالب بإقالته من القناة، وهو ما جعل الجمهور يربط مباشرة بين تلك الحملات وقرار استبعاده.

الدعم الشعبي والتحول نحو المنصات المستقلة

أكد المراسل المخضرم أن الموجة الهائلة من التقدير والدعم الشعبي التي تلقاها بعد إعلان قرار الاستغناء عنه كانت بمثابة رد اعتبار حقيقي يفوق أي إجراء إداري أو قرار شخصي صادر عن ORF. فقد تلقى آلاف الرسائل والتعليقات الداعمة، إلى جانب حملة توقيعات جمعت أكثر من 21 ألف شخص تطالب ببقائه في عمله، وهو ما اعتبره تأكيداً جماهيرياً على جودة وموضوعية عمله طوال العقود الماضية ومساعدته على النظر إلى الأمام وتجاوز الإحباط.

وعن خططه الحالية، أوضح كريم الجوهري أنه قرر استثمار هذه الطاقة للبقاء كصوت فاعل في الفضاء العام، وتركيز جهوده على تأسيس وإطلاق بودكاست مستقل يحمل اسم “Nahost. Nah dran” والذي بدأ بثه منذ نحو شهر محققاً نجاحاً كبيراً. وأعرب عن ارتياحه الشديد لمستوى الحرية الصحفية والتحريرية التي يتيحها له هذا العمل المستقل، بعيداً عن قيود البث التقليدية أو الحاجة إلى استصدار موافقات مسبقة من الإدارات التحريرية، كاشفاً أنه رفض عروضاً من وسائل إعلامية عدة لتبني البودكاست ورعايته رغبة منه في الحفاظ على استقلالية قراره بالكامل ومناقشة القضايا بعمق ودون التقيد بالوقت القصير الذي تفرضه الأخبار التلفزيونية في القنوات الرسمية.

تحديات التغطية الصحفية في غزة وصراع المعايير

تطرق كريم الجوهري إلى الصعوبات البالغة والخلل الواضح في معايير التقييم الإعلامي للنزاع، موضحاً أن التركيز على الجانب الإنساني ونقل قصص الفلسطينيين كبشر واجه انتقادات حادة واتهامات بالانحياز، في حين أن تقديم قصص إنسانية مشابهة في مناطق أخرى من العالم، مثل التغطيات في سوريا بعد سقوط بشار الأسد، كان يقابل بالإشادة الجماهيرية ومنح الجوائز والتكريمات الرسمية، واصفاً هذا التباين بالعبثي والمجحف.

وروى تفاصيل قصة صحفية من قطاع غزة حول عائلة قُتل ابنها الأول أثناء محاولته الحصول على المساعدات الغذائية، واضطرت الأم لإرسال ابنها الثاني ليواجه المصير المجهول ذاته لتأمين الطعام لعائلته المحاصرة في الخيمة، معتبراً أن واجبه الصحفي يحتم عليه جعل هؤلاء الأشخاص فاعلين في قصصهم ونقل مشاعرهم ومعاناتهم مباشرة بدلاً من تحويلهم إلى مجرد أرقام أو موضوعات يُتحدث عنها غيابياً. وأكد أنه لم يسمح طوال فترة عمله بإلغاء أو منع تقاريره رغم النقاشات المستمرة والضغوط وحملات التشويه الشرسة، مشدداً على أن مقياسه الوحيد للنجاح هو الأمانة المهنية والقدرة على مواجهة نفسه في المرآة كل صباح بارتياح تام.

حملات التشويه واختلال التوازن في المشهد الإعلامي

أشار كريم الجوهري إلى أن حملات الهجوم المنظمة ضده على وسائل التواصل الاجتماعي تراجعت واختفت تماماً بمجرد إعلان القناة النمساوية عدم تجديد عقده، مما يثبت أن تلك الحملات كانت موجهة وممنهجة وقادتها مجموعة صغيرة ولكنها صاخبة حققت هدفها النهائي في إقصائه. وأوضح أن منتقديه استخدموا دائماً نفس الاتهامات الجاهزة والمعلبة مثل كراهية اليهود، ومعاداة السامية، ومناصرة حركة حماس، لمجرد أنه يمارس دوره الطبيعي كصحفي في مساءلة تصريحات المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي والتحقق من مطابقتها للواقع الميداني.

وانتقد بشدة طريقة تعامل الإعلام الغربي مع النزاع، مقارناً بين التعاطي السريع مع المقابر الجماعية في بوتشا بأوكرانيا، وبين انتظار وسائل الإعلام الغربية تأكيد الجيش الإسرائيلي لارتكابه جرائم ومقابر جماعية في غزة قبل الجرأة على نشرها، معتبراً ذلك خللاً هيكلياً في العمل الصحفي. كما قارن بين موقفه وموقف مراسلة القناة الألمانية ARD الصحفية Sophie von der Tann التي تعرضت لهجمات مشابهة لكن قناتها وفرت لها الحماية الكاملة وتبنت خطاً تحريرياً واضحاً للدفاع عنها، معتبراً أن وجود اسم عربي له يلعب دوراً في تسهيل توجيه الاتهامات له بالانحياز المسبق من قبل المنتقدين.

الفجوة بين الرأي العام والإعلام الموجه وتأثيرها المستقبلي

وفي ختام المقابلة، حذر كريم الجوهري من العزلة المتزايدة التي تشهدها النمسا وألمانيا وجمهورية التشيك داخل الاتحاد الأوروبي بسبب مواقفها السياسية وانحيازها التام، مشيراً إلى وجود فجوة خطيرة ومتسعة بين الرأي العام الحقيقي الصادر عن الشارع والرأي المنشور في وسائل الإعلام التقليدية. وأوضح أن الأجيال الشابة تتابع ما يحدث ميدانياً في غزة ولبنان على مدار الساعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتلاحظ غياب هذه الحقائق والقصص الإنسانية عن نشرات الأخبار المسائية، مما يؤدي إلى فقدان الثقة التامة في وسائل الإعلام التقليدية، مستشهداً باستطلاع رأي في ألمانيا أظهر أن نصف المشاركين فقدوا الثقة تماماً في التغطية الإعلامية الخاصة بالشرق الأوسط.

كما انتقد الاستخدام الموجه والمسيس للغة في الصياغة الإخبارية، حيث تُصاغ أفعال الفلسطينيين دائماً بصيغة المبني للمعلوم، بينما تُسجل عمليات قتلهم واستهدافهم بصيغة المبني للمجهول وكأنها ناتجة عن كوارث طبيعية. وحذر المراسل المخضرم من الخطورة البالغة المتمثلة في منع الصحفيين الدوليين من دخول قطاع غزة وتشويه سمعة المنظمات الدولية والأممية مثل الهلال الأحمر والأمم المتحدة وأطباء بلا حدود، مؤكداً أن قبول هذا التشويه والتعتيم يؤسس لسابقة كارثية ستدمر مصداقية العمل الصحفي وتؤثر سلباً على تغطية كافة النزاعات والحروب المستقبلية في العالم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى