مقال رأي : تسونامى يعصف باليمين النمساوى

زعيم حزب الحرية النمساوى اليمينى المتطرف هاينز كريستيان شتراخه من الشخصيات السياسية التى إشتهرت بعدائها السافر للإسلام والمسلمين، ولم يدخر وسعاً فى أى مناسبة إلا وهاجم الإسلام، حتى أن دعاياته الإنتخابية على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية لم تخلو من تحريض على المسلمين والنيل من دينهم.

لقد كانت حملاته المسعورة سبباً مباشراً فى إستعداء النمساويين تجاه المسلمين لدرجة أن إعتداءات عنصرية ليست بالقليلة قد وقعت بالفعل على نساء من الجالية المسلمة سواء لفظية أو جسدية.

لم يكتفى شتراخه بإستقطاب المجتمع بل كان نشيطاً فى تواصله المستمر مع أقطاب اليمين المتطرف فى أوروبا للتحريض على المسلمين فى كل القارة. ورغم حالة العداء التاريخى بين اليمين المتطرف واليهود إلا أنه زار الكيان الصهيونى وأظهر تعاطفاً شديداً معه، وربما كان هذا جزء من حملته الإنتخابية.

لقد نجح شتراخه الذى قاد حزبه فى الأعوام الماضية لتحقيق نجاحات كبيرة بالحصول على نسبة عالية فى الإنتخابات أوصلته قبل عام ونصف إلى الحكومة ليصبح نائب المستشار النمساوى فى تحالف ضم حزبه وحزب الشعب النمساوى بقيادة الشاب سباستيان كورتز، وأوضحت سياسته العنصرية إمكانية وصوله مستقبلاً لمنصب المستشارية.

لقد كانت إستراتيجية شتراخه القائمة على معاداة الإسلام جذابة لغيره من الأحزاب حتى بدأ التنافس بينها للحصول على أكبر نسبة من أصوات الناخبين. لذلك دخل على خط الهجوم على الإسلام حزب الشعب المحافظ بقيادة رئيسه الشاب سباستيان كورتز، الذى تقرب فى بداية مشواره السياسى من المسلمين وكون إنطباعأ فى أوساط المسلمين بأنه شخصية معتدلة متسامحة خاصة وأنه كان مسؤولاً عن الإندماج ثم وزيراً للخارجية.

لم يدخر التحالف الحاكم وسعاً من تحويل دعاياتهم الإنتخابية المعادية للإسلام إلى واقع وبالفعل تم منع النقاب والتضييق على المساجد والإتحادات الإسلامية وتم منع أى تمويل يأتى لها من الخارج فى محاولة لخنقها، وكانت آخر أفعال التحالف الحاكم هو منع الحجاب فى المدارس الإبتدائية.

وبينما حزب الحرية اليمينى المتطرف يستعد لإنتخابات البرلمان الأوروبى، وما يمكن أن يحققه من نجاحات على مستوى أوروبا بعدما حققه على المستوى الداخلى، إذ بتسونامى يأتى من الجنوب وتحديداً فى مساء السادسة مساء يوم الجمعة الموافق 17.05.2019 حيث قامت الصحيفة الألمانية ” زود دويتشه تسايتونج” بنشر فيديو لهاينز شتراخه نائب المستشار النمساوى وزعيم حزب الحرية اليمينى المتطرف، وهو فى إحدى الفيلات بجزيرة إبيزا الأسبانية برفقة إمرأة إدعت أنها حفيدة ملياردير روسى وتريد الإستثمار فى النمسا. لم يكن الفيديو والتقرير المصاحب له ثوان قليلة وإنما سبع ساعات كاملة تم تسجيلها فى الفيلا التى تم تزويدها ب 6 كاميرات لم يلحظ منها هذا السياسى والرجل الثانى فى الحكومة النمساوية أى أثر.

بعدها بقليل قامت صحيفة دير شبيجل الألمانية بنشر الفيديو الذى تم التأكد من مصداقيته، والذى يظهر الوجه الحقيقى لرجل وصل لمركزه بالنيل من الإسلام والمسلمين بينما هو فى الحقيقة على أتم إستعداد للمتاجرة بمصالح بلده مقابل مصالحه الشخصية.

فالفيديو الذى تم نشره يعود لمنتصف 2017، وفيه أظهر شتراخه إستعداده التام لإعطاء إمتيازات للشركات الروسية المزمع تأسيسها من قبل حفيدة المليارديرالروسى، كما تحدث عن الإستحواز على إحدى الصحف والتخلص من بعض صحفييها وزرع رجال له فيها، كما تحدث عن إمكانية التحايل على القانون من أجل ضخ تبرعات لحزبه، ليس هذا فحسب بل هاجم المستشار النمساوى المتحالف معه فى الحكم ووصفه بعبارات غير لائقة تسىء إليه.

وماتم عرضه من هذا اللقاء فى جزيرة إبيزا هو جزء صغير، وربما تحمل الأيام القادمة تفاصيل صادمة تظهر الوجه الحقيقى لسياسى يمينى كون شعبيته على حساب المسلمين بالنيل منهم ومن دينهم مغلفةً بحب متُصنع وخوفاً على بلده النمسا من هؤلاء المسلمين، بينما الحقيقة أظهرت أنه على إتم إستعداد للمتاجرة ببلده ومصالحها من أجل غروره السياسى ليس إلا.

لقد أحدث هذ الفيديو تسونامى سياسى ليس فقط على مستوى النمسا بل تعداه إلى باقى القارة، وفى صباح اليوم التالى أعلن شتراخه نائب المستشار النمساوى إستقالته من منصبه ومن رئاسة الحزب وجميع المناصب الرسمية التى يشغلها، ولم يفوته فى إعلان إستقالته التذكير بدوره فى محاربة الإسلام السياسى ومنعه للحجاب فى المدارس الإبتدائية، فى حركة تشبه إستغاثة لمن صدر فى حقه حكم الإعدام.

وفى اليوم التالى تمت إقالة كل وزراء حزب الحرية اليمينى من الحكومة وتم تعيين شخصيات تكنوقراط مكانهم، لينتهى بذلك التحالف الحكومى بين حزب الشعب وحزب الحرية اليمينى فى أقل من عامين، ويتم الإعلان عن إنتخابات جديدة فى بداية الخريف القادم.

لقد كان توقيت ظهور الفيديو قاتلاً، فالإنتخابات البرلمانية الأوروبية بعد أيام قليلة، وكان يُتوقع فيها لليمين على مستوى القارة حضور أقوى من ذى قبل، إلا أن الشكوك بدأت تساور الناخبين الآن، ليس فقط على مستوى النمسا بل على مستوى القارة، حيث بدأت النظرة تتغير تجاه الأحزاب اليمينية، وإستعدادها للمتاجرة بمصالح البلاد بعد أن كانت أسُسهم الفكرية تقوم على العكس تماماً.

لم تنتهى القصة بعد، بل الأيام القادمة ستحمل الكثير، ولم يرفع أعضاء حزب الحرية النمساوى أيديهم من على قلوبهم بعد، فى إنتظار ماسيتم تسريبه من السبع ساعات التى تم تصويرها فى الفيلا مكان اللقاء.

لقد أكدت هذه الفضيحة أن “الإسلاموفوبيا” هى أفضل تجارة يمكن أن يهرب إليها الساسة الغربيون من فشلهم، وبدل أن يواجهوا ناخبيهم بحلول حقيقية لتلك المشاكل التى يعانى منها المجتمع، يصورون الإسلام بأنه السبب الوحيد لمشاكل الغرب. وهنا يجب أن يستثمر المسلمون الحدث ليضعوا إيدى الناس على هذه الحقيقة فى ظل هذه المعطيات المستجدة، فيلفتوا إنتباه النمساويين أن اليمين المتطرف الذى إستخدم الإسلام فزاعة لهم ماهو إلا محاولة لإستغبائهم، بينما الساسة يتسترون خلفه فى محاولة لإخفاء فسادهم.

نعم يجب على الجالية المسلمة فى الغرب عامة وفى النمسا خاصة حيث هذه الفضيحة، ألا يلتصقوا بالأرض ويأنسوا بدور الضحية المغلوب على أمره، بل يجب أن يرفعوا صوتهم عالياً ليعلنوا أنهم لن يقبلوا بعد اليوم أن يصبحوا هم أو دينهم سلعة يتاجر بها الساسة الفاسدون، وأن أى تجاوز فى حقهم سوف يقفون ضده موحدين. كما يجب عليهم أن يفهموا سبب العداء لهم حتى يتسنى لهم التصدى له، فإن كان العداء للإسلام والمسلمين أصبح سلعة رائجة فى الغرب فلايمكن أن تتم محاربته بدعم حزب على حساب حزب آخر، بل الحل يجب أن يكون خارج هذه اللعبة التى تصعد فيها الأحزاب على أكتاف المسلمين، بإدراك الجالية المسلمة مصادر قوتها الحقيقية وأن بينهم العلماء والمفكرين ورجال الأعمال، وأن الحياة اليومية فى الغرب تقوم على جهودهم، وفى حالة تكتلهم سيشكلون قوة كبيرة يخشاها الساسة ويعملون لها ألف حساب، وستعمل الأحزاب على شراء رضاهم برعاية مصالحهم وإحترام حقوقهم، بدل أن يتسول المسلمون حقوقهم ويرضوا أن يعاملوا كمواطنين من الدرجة العاشرة.

إنه فصل من فصول اليمين المتطرف الذى فضحه الله على رؤوس الأشهاد، ولم يكن أحد يتخيل أن كريستيان هاينز شتراخه نائب المستشار النمساوى ورئيس حزب الحرية اليمينى المتطرف الذى سعى بإئتلافه الحكومى إلى مسح كلمة إسلام من خانة الدين فى الشهادات المدرسية وإستبدالها بحروف تختصرإسم الهيئة الإسلامية فى النمسا، أنه سيأتى اليوم الذى يقوم فيه تلاميذ المدارس بمسح إسمه من سجل الحكومة فى دفاتر المدارس.

د. ياسر صابر
Image result for ‫د. ياسر صابر‬‎
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى