مؤتمر برلماني في فيينا يحلل جدلية “العقل والعاطفة” في صياغة القرارات السياسية
النمسا ميديـا – فيينا:
تُعقد في مقر البرلمان النمساوي، اليوم الثلاثاء، أعمال مؤتمر “يوم أبحاث البرلمان” (Tag der Parlamentsforschung) المخصص لدراسة التفاعل المعقد بين العواطف والعقلانية في النقاشات السياسية، بمشاركة باحثين نمساويين ودوليين. وفي هذا السياق، أوضحت عالمة السياسة Isabella Rebasso، من معهد العلوم السياسية بجامعة فيينا، عبر تصريحات لهيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية (ORF)، أن إثبات زيادة أهمية العواطف في العمل السياسي خلال السنوات الأخيرة تجريبياً ليس أمراً قطعياً. ومن جانبه، رأت عالمة الاجتماع Anna Durnova أن ما تغير فعلياً هو مكانة العواطف وثقلها داخل المجتمع، مشيرة إلى أن هذا التحول ولد لدى المواطنين شعوراً بـ “الإنهاك والاضطرار” (Überwältigung). وأضافت Rebasso أن القضايا السياسية ترتبط غالباً بالأخلاق والتعايش الاجتماعي والهوية، وهي ملفات لا يمكن حسمها بالمنطق والعقل وحده، بل تتداخل فيها المشاعر بقوة.
دور العواطف في الحشد والخطاب السياسي
تؤدي العواطف دوراً محورياً فائق الأهمية في تحفيز الناخبين وحشدهم. ووفقاً لـ Rebasso، فإن “الغضب” يعد العاطفة الأكثر دراسة وفهماً في هذا المجال؛ حيث أظهرت أبحاث عديدة أن الأشخاص الغاضبين يميلون أكثر من غيرهم للمشاركة في التظاهرات، والتصويت في الانتخابات، ومقاطعة المنتجات، مما يعني انخراطهم القوي في شتى أشكال المشاركة السياسية.
ومن جهة أخرى، لفتت عالمة الاجتماع Anna Durnova إلى أن الفصل التقليدي بين العقلانية والعاطفة يعود إلى عصر التنوير في القرن الثامن عشر، حيث ساد مفهوم يربط الحداثة بالالتزام بـ “العقلانية السياسية” واتخاذ القرارات وفق قواعد واضحة وسياقات مفهومة. ومع أن علوم الأعصاب أثبتت أن العواطف والحقائق يكملان بعضهما بعضاً، فإن الخطاب السياسي المعاصر كثيراً ما يستغل هذا التضاد لشيطنة الخصوم وتجريدهم من الشرعية عبر تصويرهم كـ “عاطفيين” لإقصائهم من العملية السياسية.
جذور “الإنهاك” والصعود التلقائي للشعبوية
أرجعت Durnova التغير في مكانة العواطف إلى مسارات بدأت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر ما يُعرف بـ “عاطفية الحياة اليومية” وانفتاح الأفراد على مناقشة مشاعرهم، بالتزامن مع تراجع تأثير الأصول الاجتماعية والدينية لصالح الفردانية. ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تلاقت هذه العوامل مع زيادة المشاركة السياسية (كالاستفتاءات والمؤتمرات الشعبية) في ظل عالم يتسم بالسرعة وكثافة المعلومات، مما قاد الكثيرين إلى الشعور بـ “الإنهاك”.
وأوضحت الباحثة أن عولمة السياسة وصعوبة إيجاد حلول محلية للأزمات الكبرى مثل الهجرة، والحروب، والأزمات الاقتصادية، أدت إلى عجز الأفراد وصعود الأحزاب والحركات الشعبوية. واعتبرت أن استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit) وانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في عام 2016 كانا تعبيراً واضحاً عن مشاعر الاحتجاج والرغبة في استعادة سلطة القرار الشخصي.
التداعيات المستمرة لـ “عزلة الجائحة” والاستقطاب
أشارت Durnova إلى أن جائحة فيروس كورونا ضاعفت من هذه الديناميكيات؛ فمن ناحية، زادت من توجس الأفراد واعتبار الآخرين مصدر خطر، ومن ناحية أخرى، وفرت مبرراً للانسحاب من الفضاء العام والانكفاء داخل “المساحات الخاصة” عبر العمل عن بُعد والتواصل الافتراضي. هذا الانعزال جعل المجتمع أكثر عرضة للمعلومات المضللة وأضعف القدرة على التعامل مع الاستقطاب السياسي.
وفي ختام تصريحاتها، شددت عالمة الاجتماع على أن الخلافات الأيديولوجية ليست جديدة على الفضاء السياسي، لكن ما تغير هو تراجع قدرة المجتمع على تحمل تباين الآراء. وأكدت أن المجتمع قلل من تقدير الآثار النفسية والعاطفية الطويلة الأمد للعزلة أثناء الجائحة على مهارات التواصل وتقبل الاختلاف، داعية الإدارة السياسية إلى ضرورة طرح شعور “الإنهاك” للنقاش العام لإخراجه من الدوائر الرقمية الخاصة، والتركيز بشكل مكثف على تعزيز التماسك الاجتماعي.



