الحكومة النمساوية تعلن ثورة رقمية لتبسيط الإجراءات الإدارية والقضاء على البيروقراطية

النمسا ميديا – فيينا:

أعلنت الحكومة الفيدرالية النمساوية، يوم الأربعاء خلال اجتماع مجلس الوزراء، عن إشارة الانطلاق الرسمية لإلغاء المجلدات الورقية الضخمة التي تضم الشهادات والوثائق والمستندات، والتي يتعين على المواطنين حملها حالياً عند مراجعة الدوائر الحكومية. وتهدف هذه الخطوة إلى تسريع المعاملات الإدارية وإنجازها رقمياً بشكل أوسع، فضلاً عن تقليص الأعباء البيروقراطية المفروضة على الشركات.

البيانات تتحرك بدلاً من المواطنين

وفي مؤتمر صحفي مشترك عُقد في ردهة مجلس الوزراء، صرح سكرتير الدولة لشؤون الرقمنة Alexander Pröll (عن حزب الشعب ÖVP): “يجب أن تتحرك البيانات وليس المواطنون”. وحضر المؤتمر رفقة سكرتير الدولة في وزارة الداخلية Jörg Leichtfried (عن الحزب الاشتراكي SPÖ)، وسكرتير الدولة المسؤول عن مكافحة البيروقراطية Josef Schellhorn (عن حزب نيوس NEOS).

وسيسهم في تحقيق هذا التحول تعديل قانون الإجراءات الإدارية العامة، المزمع إقراره قريباً في البرلمان الوطني (Nationalrat). ويتيح هذا التعديل للسلطات الفيدرالية وفي المقاطعات والبلديات استخدام روبوتات الدردشة (Chatbots)، والمساعدين الرقميين، والإجراءات المؤتمتة التي تُنجز تلقائياً دون الحاجة لتقديم طلب، مثل الإجراءات المتبعة فور ولادة طفل جديد.

الخدمات الرقمية كعنصر مكمل للإدارة التقليدية

ومن خلال الدعم الرقمي، سيكون بمقدور الأنظمة المحدثة الكشف مبكراً عن أي نقص في البيانات المقدمة، مما يختصر الوقت الإجمالي لإنجاز المعاملات للمواطنين والشركات على حد سواء. وأكد Leichtfried أن الخدمات الرقمية ستكون مكملة للعمل الإداري، مشدداً على أن الخدمات المباشرة والتقليدية في الدوائر الحكومية ستظل قائمة ومتاحة.

ومن المقرر أن تُطرح في الأيام المقبلة تعديلات مقترحة على القضاء الإداري لمرحلة الاستطلاع وإبداء الرأي، وهي تعديلات اقترحتها مجموعة خبراء في إطار “شراكة الإصلاح” بين الحكومة الفيدرالية والمقاطعات والبلديات. وتهدف التعديلات إلى تسريع القضايا عبر إعدادها بكفاءة أعلى، من خلال الاعتماد على التقارير الفنية الرقمية وإسناد بعض خطوات التحقيق إلى سلطات أخرى، مما يضمن تحقيق اليقين القانوني بسرعة أكبر في إجراءات الطعون.

إجراءات مرتقبة قبل الصيف لإزالة عقبات الرقمنة

ووفقاً لقرارات مجلس الوزراء، سيتم اعتماد الحزمة الأولى من التدابير لإزالة “عقبات الرقمنة” قبل حلول الصيف، بعد أن رصدت مجموعة عمل تابعة لشراكة الإصلاح ثغرات في العديد من القوانين الحالية. وبموجب ذلك، سيتاح تقديم الطلبات رقمياً دون الحاجة لنسخ ورقية مكررة، كما لن يقتصر الدفع داخل الدوائر على النقد فقط، ولن يضطر المواطنون للذهاب إلى المقرات الحكومية لمجرد إتمام عمليات الدفع أو استيفاء الشروط الشكلية المحضة.

وتشكل ركيزة هذا التحول في تطوير “مشروع X”، الذي سيتم من خلاله توسيع منصة تبادل البيانات الحالية “Digital Austrian Data Exchange” (dadeX) لتصبح البنية التحتية المركزية للبيانات في الدولة النمساوية، مما يتيح للجهات الحكومية استدعاء البيانات والاطلاع عليها مباشرة.

رصد 15 مليون يورو للمشروع والربط الشامل بحلول 2029

وعلق Pröll قائلاً: “لم يعد أحد يفهم اليوم لماذا يتوجب علي تقديم مستنداتي للدولة مجدداً في كل مرة”. وقد تم رصد ميزانية بقيمة 15 مليون يورو لهذا الغرض لعامي 2027 و2028. ويجري العمل حالياً على وضع الأسس القانونية لضمان ربط وإتاحة جميع السجلات الرسمية ذات الصلة بحلول نهاية عام 2029، بدءاً من سجل النفوس والسجل الجنائي وصولاً إلى قاعدة بيانات الشفافية.

كما بدأت الخطوات التنظيمية الأولى لإنشاء قاعدة بيانات التزامات الإفصاح (IVBD)، التي توضح البيانات المتوفرة بالفعل وتحدد مواضع التكرار في البلاغات، بهدف إلغاء التزامات الإبلاغ والتقرير الفائضة عن الحاجة بأثر رجعي. وسيسهم توسيع منصة dadeX أيضاً في مكافحة الاحتيال، حيث ستتمكن السلطات من الاعتماد على بيانات السجلات الموثوقة والمؤمنة مباشرة عند فحص الطلبات.

نحو “دولة الخدمات” وتسهيل شؤون الشركات

ومن شأن هذه الخطوات إعفاء الشركات من تقديم المستندات ذاتها لمرات متعددة، وتسهيل إجراءات تأسيس الشركات الناشئة. وفي الوقت ذاته، ستصبح آليات تقديم الدعم والإعانات للمواطنين أكثر مرونة، وسيزداد تسهيل وصول قطاعي العلم والبحث العلمي إلى البيانات.

ووصف Schellhorn هذه النقلة بأنها خطوة “بعيداً عن دولة المعاملات الورقية والطلبات، ونحو دولة الخدمات الإدارية”، متوقعاً إنهاء “المسرحية الهزلية” المتمثلة في استقبال المعاملات رقمياً بالدوائر الإدارية ثم طباعتها يدوياً وتعبئتها وإعادة مسحها ضوئياً.

حماية البيانات كأولوية قصوى وإلغاء بعض المعاملات غير الجدية

وشدد Pröll على أن “حماية البيانات وأمن المعلومات يمثلان الأولوية القصوى”، وجاء في قرار مجلس الوزراء أن منصة “dadeX لن تتحول إلى مركز لجمع البيانات دون رقابة”. وستصدر اللوائح المحددة للسجلات ومصادر البيانات المتاحة بالاتفاق مع اللجنة الرئيسية للبرلمان الوطني، كما سيكون بمقدور المواطنين مستقبلاً تتبع الجهات والمنظمات التي استخدمت بياناتهم وفي أي غرض.

وفي السياق ذاته، سيتم إلغاء بعض المعاملات الحكومية بالكامل في حال عدم وجود جدوى منها؛ حيث ضرب Schellhorn مثلاً بـ “شهادة التسجيل لمواطني المنطقة الاقتصادية الأوروبية” (EWR) – التي تضم دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى آيسلندا وليختنشتاين والنرويج – موضحاً أنها لا تقدم أي فائدة للسلطات أو للمواطنين المعنيين، وأن إلغاءها سيوفر على الإدارة الحكومية 70 ألف معاملة سنوياً.

ردود الفعل السياسية والاقتصادية بين الانتقاد والترحيب

وجاء رد فعل حزب الحرية النمساوي (FPÖ) منتقداً، حيث صرح الأمين العام للحزب Michael Schnedlitz في بيان له: “من يقدّم للمواطنين ميزة التسديد السريع للغرامات كطوق نجاة في ظل الغلاء القياسي والأزمة الاقتصادية والمخاطر الأمنية، فقدَ تماماً صلتُه بالواقع المعيشي”.

من جانبهم، أبدى الخضر موقفاً حذراً؛ ووصف المتحدث باسم شؤون الرقمنة Süleyman Zorba خطوة تشبيك السجلات المختلفة بأنها “منطقية ومفيدة مبدئياً”، لكنه أكد على رغبة الحزب في فحص المسودة المحددة بدقة، لا سيما في شق حماية البيانات. وأبدى Zorba تحفظاً تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة، مطالباً بوضع حدود ورقابة واضحة قبل أن تتخذ الأنظمة المؤتمتة قرارات تخص المواطنين.

وفي المقابل، أشادت الغرفة الاقتصادية النمساوية (WKO) في بيان لها بـ “مبدأ المرة الواحدة” (Once-only-Prinzip)، الذي يضمن للشركات إرسال بياناتها لمرة واحدة فقط، لكنها طالبت بألا تؤدي البنية التحتية الجديدة للبيانات إلى فرض التزامات إبلاغ إضافية وجديدة على قطاع الأعمال. كما طالبت جمعية الصناعيين (IV) بتطبيق نظام إدارة الملفات الإلكترونية الشامل والمتكامل لكافة المعاملات، بدءاً من مرحلة تقديم الطلب وحتى صدور القرار النهائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى