تحقيق لـ “profil”: كيف يجبر مجرمو شبكة “The Com” الأطفال في النمسا على العنف والتخريب؟
النمسا ميـديـا – النمسا العليا:
كشف تقرير تحقيقي أجرته مجلة “profil” النمساوية ونُشر بتاريخ 26 يونيو 2026، عن تفاصيل مروعة حول كيفية قيام مجرمي الشبكة الإلكترونية العالمية العنيفة المعروفة باسم “The Com” (اختصاراً لـ Community) باستدراج وتلاعب الأطفال والمراهقين ودفعهم نحو ارتكاب أعمال التخريب، والقتل، وحتى الانتحار داخل النمسا. وجاء هذا الكشف الصادم ليتتبع خيوط واحد من أخطر أوساط العنف الرقمي في العالم، والذي بدأت أولى معالمه تظهر في بلدة هادئة بمقاطعة النمسا العليا، ليربط بين حوادث تخريب محلي وشبكة إجرامية دولية عابرة للحدود.
كيف تحول تخريب السيارات في “Neuhofen” إلى خيط يقود لأخطر شبكات العالم؟
بدأت القضية تأخذ منحىً خطيراً عندما كانت المواطنة النمساوية “Doris Pfeiffer” تقضي إجازتها على متن سفينة سياحية في نهر النيل بمصر، وتحديداً في مدينة الأقصر، حيث قررت تفقد هاتفها المحمول لتصادف منشوراً شاركته رئيسة البلدية “Petra Baumgartner” في مجموعة “فيسبوك” الخاصة ببلدتها “Neuhofen an der Krems”، وهي بلدة يقطنها نحو 7000 نسمة وتبعد حوالي 20 كيلومتراً عن مدينة لينز. وجاء في المنشور المكتوب بأحرف كبيرة: “تحذير من أعمال تخريب”، مشيراً إلى قيام مجهولين بتهشيم الزجاج الخلفي لعدة سيارات خلال الليالي الماضية في منطقة “Sportallee”، وهي منطقة سكنية هادئة ومنعزلة، مع مطالبة السكان بإبلاغ الشرطة عن أي تحركات مشبوهة. وعقب قراءتها للتحذير، تواصلت “Pfeiffer” مع مؤجر السكن لتكتشف أن سيارتها السوداء من طراز “فورد” قد طالها التخريب أيضاً وتحطم زجاجها الخلفي تماماً، رغم أنها تركنها في نفس المكان منذ 14 عاماً دون أي حوادث سابقة.
الاحتفال بالجرائم على الإنترنت وضآلة التوقعات الأولية
أثبتت تحقيقات الأجهزة الأمنية لاحقاً أنه تم تدمير وتهشيم زجاج أربع سيارات إجمالاً في بلدة “Neuhofen an der Krems” في الفترة الواقعة بين 15 و22 أبريل 2026. ولفترة طويلة، ظن الجميع أن هذه الحوادث لا تتعدى كونها مجرد أعمال تخريب عشوائية وعمياء، وبدت القضية منتهية عند هذا الحد. ولكن سرعان ما فرضت شكوك أخرى نفسها على مسار التحقيقات، وتحولت هذه الجرائم التي بدت في البداية غير مثيرة للاهتمام إلى خيط قاد المحققين إلى شبكة جنائية دولية تمتد وتتشعب إلى مسافات بعيدة جداً خارج حدود النمسا، وهو ما لم يكن يتوقعه أو يتخيله أحد في ذلك الوقت. وفيما زارت الضحية “Doris Pfeiffer” مركز الشرطة عقب عودتها من الإجازة وهي في حالة من الصدمة والذهول متسائلة عن دوافع الفاعل دون الحصول على إجابة، كانت منصات الشبكة المظلمة على الإنترنت تحتفل بنجاح هذه العمليات التخريبية.
آلية عمل الشبكة وتحويل الضحايا إلى جناة
وتعتمد شبكة “The Com” على تكتيكات نفسية معقدة وممنهجة لكسر إرادة القاصرين وسلبهم أهليتهم الاختيارية. وتبدأ العملية بمراقبة الأطفال والمراهقين في بيئاتهم الرقمية المعتادة، متبوعة بتقديم دعم وهمي لكسب ثقتهم عبر ألعاب الفيديو ومجموعات الدعم. وبمجرد إتمام عملية الابتزاز والدخول في قنوات اتصال مشفرة، ينتقل أفراد الشبكة إلى أساليب التهديد المباشر، مستغلين بيانات الضحايا الشخصية لإجبارهم على تنفيذ أجندات سادية وتصوير مقاطع مرئية لتوثيق الجرائم ونشرها في مجتمعاتهم الرقمية لغرض الاحتفال بها. وتشير المعطيات التحقيقية إلى أن هذا الأسلوب الملتوي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تحويل الضحايا أنفسهم إلى أدوات وجناة يمارسون الضغط على أعضاء جدد ضمن تفريعات الشبكة المختلفة، مثل المجموعات الفرعية المعروفة بأسماء “764” أو “CVLT”.
رصد الظاهرة في النمسا والتحذيرات الأمنية
أثار تتبع خيوط الشبكة في بلدة “Neuhofen” ومناطق نمساوية أخرى قلقاً واسعاً لدى الأوساط الحقوقية ومؤسسات حماية الطفولة، بالنظر إلى الطبيعة السرية والعابرة للحدود لهذه المجموعات التي تصعب مراقبتها بالطرق التقليدية. وتؤكد التقارير الصحفية المرتبطة بهذا الملف أن المجرمين يستغلون الفراغ الرقمي وغياب الرقابة الأبوية الصارمة على منصات الألعاب والتواصل لإنشاء “ملفات شخصية مستهدفة” تتيح لهم فرصة النفاذ المباشر لعقول القاصرين. وتحث السلطات الأمنية وخبراء الجرائم السيبرانية العائلات على توخي أقصى درجات الحيطة، ومراقبة أي تغيرات سلوكية مفاجئة على الأبناء، والتبليغ الفوري عن أي منصات تطلب من الأطفال تصوير أنفسهم أو القيام بمهام غامضة لقاء وعود بالانتماء أو كسب النفوذ الرقمي.