النمسا ترمم موقع أقدم منجم للملح في العالم

يخضع موقع هالشتات في جبال الألب النمساوية، منجم الملح الأقدم في العالم المدرج على قائمة اليونيسكو للتراث، لورشة تدعيم بهدف حمايته من العوامل الطبيعية، التي قد تسد أنفاقه في حال التأخر في المعالجة اللازمة.
هذه الأشغال التي انطلقت في منتصف الشهر الحالي، ترمي “لحفظ الموقع للأجيال المقبلة”، بحسب توماس ستيلتزر حاكم مقاطعة النمسا العليا في غرب البلاد حيث يقع المنجم.
ويوضح عالم الآثار هانس ريشرايتر المسؤول عن الورشة: “كما في سائر المناجم الأخرى، تمارس التربة ضغوطاً على الأنفاق، وتهدد بسدها في حال عدم بذل أي جهد”.
غير أن هالشتات ليس منجماً كسواه، فهذا الموقع الذي بدأ استغلاله قبل سبعة آلاف سنة هو أقدم منجم للملح في العالم، كما أنه شكل في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد مهد حضارة غنية في أوروبا أعطاها اسمه إذ تعرف بـ “حضارة هالشتات”.
ويستضيف الموقع المطل على بحيرة طبيعية سنوياً، ملايين السياح من العالم أجمع، ممن يتوافدون لتأمل المناظر الخلابة في المكان على علو أكثر من 800 متر.
وهو يضم منجماً ضخماً للملح، هو من بقايا محيط كان في المكان قبل 250 مليون سنة، ودفعت به التقلبات الجيولوجية إلى القمم الجبلية.
وقد كرّس اكتشاف غير مسبوق في أواسط القرن التاسع عشر لمقبرة كبرى، شهرة الموقع حتى أن العصر الحديدي الأول بات يسمى بعصر هالشتات.
ويلفت ريشرايتر إلى أن “عشرات الجثث نبشت من المقبرة على أكثريتها الساحقة إكسسوارات زخرفية برونزية عادة ما يضعها أفراد الطبقات الميسورة، العظام تحمل أثر جهود جسدية شاقة كانت تبذل منذ الطفولة، مع حمل آثار ازدهار لا مثيل لها”.
فالملح الذي لطالما سمي “الذهب الأبيض” كان بقيمة لا تقدر بثمن في تلك الحقبة، وكان منجم هالشتات ينتج ما يصل إلى طن يومياً، ما يغطي “حاجات نصف القارة الأوروبية” بحسب هذا المختص.
ويؤكد ريشرايتر أن “هذا الموقع الواقع في منطقة يصعب الوصول إليها أصبح العام 800 قبل الميلاد الأغنى في القارة واستحال محوراً كبيراً للتبادلات”، وتشهد على ذلك خصوصاً السيوف بأغماد من العاج الإفريقي.
وأفردت موجة نبش أثري ثانية، أطلقها قبل حوالي ستة عقود متحف التاريخ الطبيعي في فيينا، سلسلة أخرى من المفاجآت.
وفي بقايا أنفاق على عمق أكثر من مئة متر، اكتشف علماء آثار “شواهد فريدة عن نشاط صناعي من العصر البرونزي “بين العامين 3000 قبل الميلاد و100 قبل الميلاد”، على ما يقول ريشرايتر مشيراً إلى أن القطاع المنجمي كان يوظف عدداً كبيراً من الأشخاص، وكان يقام بطريقة شديدة التنظيم.
وإضافة إلى خشب الدعم العائد إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة والمحفوظ بشكل ممتاز بالملح، سمحت أعمال النبش هذه باكتشاف كميات من المعدات والقفازات الجلدية، إضافة إلى ملايين مشاعل الإنارة من خشب الصنوبر.
ولم يتوقف نشاط المنجم منذ ما قبل التاريخ، وقد قام باستغلاله السلت وهم شعب كانت هالشتات تعتبر عاصمتهم، كما أنه استخدم خلال العصر الروماني لدفع رواتب الفيالق الرومانية في الدانوب.
ويوظف الموقع حالياً نحو أربعين شخصاً، ينتجون ما يوازي 250 ألف طن من الملح سنوياً، بفضل تقنية استخراج بالماء العالي الضغط.
ويشير المدير التقني في شركة “سالينن أستريا” المشغلة للموقع كورت تومانك إلى أن “الملح لم يعد يتمتع بالقيمة عينها كما في التاريخ القديم، لكن بفضل استخداماته المتعددة خصوصاً في مجال الصناعات الدوائية والكيماوية، هو يقدم مجالات لها قيمة مضافة عالية”.
ويلفت إلى أن الأنفاق العائدة لحقبة ما قبل التاريخ، اكتشفت بفضل أنفاق حديثة في المنجم، مضيفاً “أن التعاون مع المنقبين يحصل بطريقة جيدة، هذا لحسن حظنا لأننا لم ننقب سوى في 1 % إلى 2 % من الموقع”.
ويوضح تومانك أن “الأنشطة السياحية المتصلة بالاكتشافات الأثرية باتت تمثل إحدى ركائز نشاطنا”، لافتاً إلى أن نحو مئتي ألف شخص زاروا منجم هالشتات العام الماضي.




