أكثر من ثلاث أضعاف الحد الصحي.. لماذا يستهلك النمساويون 1.1 كيلوغرام من اللحوم أسبوعياً؟

فيينا – INFOGRAT:
يستهلك الفرد في النمسا ما متوسطه 1.1 كيلوغرام من اللحوم أسبوعياً، وهو ما يتجاوز ثلاثة أضعاف الكمية التي يعتبرها الخبراء مقبولة من الناحيتين البيئية والصحية. ورغم أن الأمر قد يبدو مرتبطاً بالذوق الشخصي، إلا أن دراسات حديثة كشفت أن التعليم، والدخل، والجنس، والتقاليد الراسخة هي المحركات الحقيقية لما يوضع على المائدة، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).
وتعكف عالمة الاجتماع Thea Wiesli، من جامعة Innsbruck، على دراسة القوى المجتمعية التي تدفع نحو استهلاك اللحوم والعوامل التي قد تساهم في كبحه. وتؤكد Wiesli أن الفجوة بين الجنسين واضحة تماماً في الأبحاث؛ إذ يميل الرجال لاستهلاك اللحوم بكميات أكبر بكثير من النساء. كما يلعب المستوى التعليمي دوراً حاسماً، فكلما زاد التحصيل العلمي، قلّ وجود اللحوم في الوجبات، وهو ما يفسره الوعي المتزايد بالآثار البيئية والصحية السلبية للصناعات الحيوانية المكثفة.
العمر والدخل.. معادلة معقدة
يشير البحث إلى أن استهلاك اللحوم يصل لذروته في مرحلة منتصف العمر، بينما يقل لدى الشباب لأسباب مادية غالباً، ولدى كبار السن بناءً على نصائح طبية لتقليل مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية. أما بالنسبة للدخل، فتبدو الصورة في النمسا مختلفة عن دول مثل بريطانيا؛ فبسبب توفر اللحوم بأسعار رخيصة، لا يشكل الدخل عائقاً كبيراً أمام استهلاكها، مما يجعل الفوارق الطبقية تظهر في نوعية الاختيارات لا في القدرة على الشراء.
أسطورة الرجولة على الطبق
توضح Wiesli أن ارتباط اللحوم بالرجال له جذور تاريخية تعود لعصر الثورة الصناعية، حين روج الطب لفكرة أن العمال الذكور يحتاجون للحوم للقيام بالجهد البدني الشاق. وتقول الباحثة: “تظهر الدراسات أن الرجال الذين يولون أهمية كبيرة لمظهرهم الرجولي يستهلكون لحوماً أكثر، لارتباطها ثقافياً بصور الصيد ورعاة البقر وحفلات الشواء”.
من رمز للثراء إلى أداة للتميز الاجتماعي
تاريخياً، كان اللحم رمزاً للثراء والاحتفال، لكن مع توفر اللحوم الرخيصة حالياً، تغير هذا المفهوم. وترى السوسيولوجيا أن الطبقات الدنيا قد تحاول محاكاة نمط حياة الطبقات الغنية عبر الإكثار من أكل اللحوم، بينما بدأت الطبقات الأعلى والأكثر ثراءً في التميز عن غيرها من خلال اتباع أنماط غذائية بديلة مثل “النباتية” (Veganism)، والتي باتت تعمل كرمز جديد للمكانة الاجتماعية.
الحلول المقترحة: الهياكل الذكية والتدخل السياسي
لا تكتفي Wiesli بالتحليل، بل تطالب بخلق “هياكل ذكية” تسهل اتخاذ قرارات صحية، مثل تحسين جودة الوجبات النباتية في المطاعم الجامعية والمدرسية ووضع المنتجات المستدامة في أماكن بارزة في المتاجر (ما يعرف بأسلوب “الن nudge” أو الوخز السلوكي).
كما ترى الباحثة ضرورة التدخل السياسي عبر فرض ضرائب على اللحوم واستخدام عوائدها لدعم أسعار الخضروات والمواد الغذائية الصحية، مما يجعل الغذاء المستدام متاحاً حتى للطبقات ذات الدخل المحدود. وتختتم Wiesli بالقول إن الوعي البيئي المرتفع في النمسا لا يترجم دائماً إلى سلوك فعلي، لأن المعرفة وحدها لا تغير العادات، بل يتطلب الأمر تغيير الهياكل المحيطة لتجعل السلوك الصحيح هو الخيار الأسهل.



