احتجاز أطفال وتقليص المساعدات.. تفاصيل التعديلات النمساوية المرتقبة في ملف اللجوء

النمسا ميـديـا – فيينا:

دخلت السياسة النمساوية والأوروبية المتعلقة باللجوء منعطفاً تاريخياً حرجاً مع اقتراب موعد تطبيق الإصلاح الشامل للنظام الأوروبي المشترك لجوء (GEAS) والمقرر في 12 يونيو 2026، حيث واجه مشروع القانون النمساوي المكمل له والمعروف باسم “قانون تكييف ميثاق اللجوء والهجرة” (AMPAG) انتقادات حادة من قبل المنظمات الإنسانية والحقوقية بعد انتهاء فترة تقييم مسودته في 12 فبراير الماضي، ووفقاً لبيان رسمي صادر عن منظمة (Diakonie) النمساوية لرعاية اللاجئين، فإن التعديلات المقترحة تمثل تراجعاً كبيراً في حماية حقوق الإنسان، وتتحول من “حماية اللاجئين” إلى “الحماية ضد اللاجئين” عبر تبني سياسات الإقصاء، والاحتجاز، والترحيل القسري، وتصدير إجراءات اللجوء إلى دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي.


تقويض “حق البقاء” ومخاوف من الترحيل القسري

وفقاً للوائح الإجراءات الأوروبية، يتمتع طالبو اللجوء بحق قانوني في البقاء داخل الدولة التي تقدموا فيها بالطلب طوال فترة النظر في قضاياهم، غير أن مسودة القانون النمساوي الجديد تفتح الباب أمام إمكانية ترحيل الأفراد في حالات خاصة قبل فحص أسباب لجوئهم أو إخضاع قراراتهم للرقابة القضائية، وترى المنظمات الحقوقية أن هذا التوجه يتناقض بشكل صارخ مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في القانون الدولي والاتحاد الأوروبي، مما يهدد الجوهر الأساسي لحق اللجوء ويحرم المستضعفين من ضماناتهم القانونية.


توسيع نطاق الاحتجاز واعتقال القاصرين

يتحول نظام اللجوء بموجب المقترحات الحالية من نموذج قائم على الاستقبال والرعاية إلى نظام يرتكز على الرقابة، والاحتجاز، والإكراه، وتتضمن المسودة استحداث ما يُعرف بـ “احتجاز الفحص” (Screening-Haft)، الذي يتيح احتجاز الأشخاص الذين يعانون من صدمات نفسية لمدة تصل إلى 7 أيام قبل بدء إجراءات اللجوء الفعلية، ودون توفير حماية قانونية فعالة ضد الاعتقال التعسفي، واللافت للانتباه أن النظام الجديد لا يزال يسمح باحتجاز القاصرين، بما في ذلك الأطفال غير المصحوبين بذويهم، وهو ما يتعارض تماماً مع المعايير الدولية لحقوق الطفل.


غياب الرعاية للأطفال غير المصحوبين بذويهم

رغم تشديد النظام الأوروبي المشترك (GEAS) على ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال تتماشى مع معايير حقوق الإنسان، فإن مشروع القانون النمساوي يتجاهل هذه الالتزامات؛ حيث يستمر غياب بند منح حق الوصاية للأطفال اللاجئين غير المصحوبين بذويهم منذ اليوم الأول لوصولهم، وبدلاً من ذلك، يُلزم القانون الجديد القاصرين بتقديم طلباتهم بأنفسهم دون وجود ممثل قانوني يدعمهم، فضلاً عن عدم ضمان سكن يتناسب مع فئاتهم العمرية، مما يمثل تهديداً مباشراً لسلامة وحقوق الطفل.


تقليص الحقوق الإجرائية وغياب الاستشارات القانونية

تفتقر آلية الفحص المستحدثة للشفافية وتغيب عنها إمكانية الطعن القضائي، مما يزيد من احتمالية عدم تحديد الأشخاص الأكثر ضعفاً، مثل ضحايا التعذيب وأصحاب الإعاقات الجسدية والنفسية، وتطالب الجهات الحقوقية باستثناء هذه الفئات من الإجراءات المعجلة والحدودية بشكل كامل، كما انتقدت المنظمات حصر المساعدة في المرحلة الأولى بـ “الحق في المعلومات القانونية” دون تحديد آليات واضحة لتنفيذها، بدلاً من توفير استشارات قانونية مجانية ومؤهلة تبدأ من مرحلة تقديم الطلب، لضمان تسريع الإجراءات وتقليل الشكاوى.


عراقيل معقدة أمام لم شمل العائلات

يقترح مشروع القانون نقل ملفات لم شمل عائلات المعترف بهم كلاجئين من قانون اللجوء إلى قانون الاستيطان والإقامة (NAG)، ومع غياب الأحكام الانتقالية، ستصبح جميع الطلبات المعلقة حالياً لاغية، مما يجبر نحو 5,000 عائلة على تقديم طلبات جديدة وضياع سنوات من الانتظار، والأخطر من ذلك هو التوجه نحو فرض “حصص سنوية” (Quote) للم شمل الأسرة، وهو ما يعتبر انتهاكاً واضحاً للحياة الأسرية والضمانات الدستورية والأوروبية، ويضع أساس دولة القانون في النمسا على المحك.


خفض المساعدات الأساسية وتهديد بـ “التشرد”

تتضمن التعديلات إدخال تقليصات واسعة على الرعاية الأساسية (Grundversorgung) الممنوحة لطالبي اللجوء، تشمل الحد من الخدمات الطبية واقتصارها على الرعاية “الضرورية للغاية”، بالإضافة إلى إمكانية حرمان اللاجئين من السكن أو الغذاء كإجراء عقابي في حال عدم المشاركة في ما يُسمى بـ “دورات القواعد الأساسية”، وحذرت Diakonie من أن هذه الإجراءات تهدد بتحويل طالبي اللجوء إلى مشردين دون مأوى، مما يخالف المادة الأولى من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي التي تضمن كرامة الإنسان.


اللجوء إلى القضاء الأعلى لمواجهة الانتهاكات القانونية

أكدت الهيئات الاستشارية والقانونية في فيينا أن مشروع القانون الجديد يمثل تراجعاً خطيراً يعكس استعداداً سياسياً لقبول الانتهاكات القانونية المحتملة، وأعلنت المكاتب القانونية عزمها خوض مسار التقاضي الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة، ورفع القضايا المركزية الخلافية إلى المحاكم النمساوية العليا، وكذلك إلى محكمة العدل الأوروبية (EuGH) لحماية معايير سيادة القانون، وفي سياق متصل، حظيت هذه المخاوف بتأييد الكنيسة الإنجيلية في النمسا التي جددت التزامها بالدفاع عن حقوق الإنسان وحماية اللاجئين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى