خبير الاندماج كنان غونغور: “70% من المهاجرين في النمسا مندمجون تماماً ومساهمون في استقرار الدولة”

دعا خبير الاندماج المعروف Kenan Güngör إلى تبني سياسة اندماج ترتكز على صورة أساسية واقعية، وتستند إلى الحقائق والبيانات بدلاً من الانقياد وراء الأجواء السياسية المشحونة. وفي مقابلة موسعة مع صحيفة derstandard النمساوية، استعرض غونغور خبراته في صياغة نماذج الاندماج لعدة ولايات نمساوية مثل تيرول، وفورآرلبرغ، والنمسا العليا، وسالزبورغ، مشيراً إلى ضرورة أن تقوم الحكومة الجديدة بمهامها في هذا الملف بناءً على تحليل دقيق.
وطرح غونغور أجندة عمل تشمل ست نقاط أساسية: كيفية التعامل مع الهجرة (من نحتاج ومن يأتي)، التعليم وسد الفجوات الهيكلية، العمل واحتياجات سوق العمل، القيم الديمقراطية الأساسية، الاعتراف المتبادل، والأهم من ذلك؛ انتهاج أسلوب تحليلي دقيق يعتمد على الأدلة (Evidenz) لا على الحالة المزاجية العامة، وهو ما وصفه بـ “البوصلة” التي تنقص المسار الحالي.
صيغة (70-20-10) لوصف مجتمع الهجرة
يرى غونغور أن النقاش الحالي يركز بشكل مفرط على الجوانب السلبية، مما يخلق صورة “ديستوبية” (سوداوية) للحياة المشتركة لا تعكس الواقع الاجتماعي. وقسم المجتمع المهاجر إلى ثلاث مجموعات:
- المجموعة الأولى (70%): وهي الكتلة الأكبر التي تعيش هنا منذ الجيل الأول أو الثاني أو الثالث، وهم مندمجون تماماً وجزء أصيل من المجتمع. يؤكد غونغور أن النمسا لا يمكن أن تعمل بدونهم، وهم يشاركون السكان الأصليين قيمهم واهتماماتهم، وينزعجون من جرائم الشباب ومشاكل الاندماج مثلهم تماماً، لكنهم paradoxerweise (للمفارقة) الأقل ظهوراً في الخطاب العام.
- المجموعة الثانية (20%): وهم الأشخاص الساعون للاندماج لكنهم يعيشون في ظروف هشة (مثل اللاجئين أو مهاجري الفقر). يطالب غونغور بتركيز سياسة الاندماج هنا عبر مبدأ “الدعم والمطالبة” (fördern und fordern) من خلال إدارة حالات فردية (Case-Management) تضع خططاً ملزمة وواقعية، مع توفير حوافز إيجابية مثل تسهيل الحصول على الجنسية لاحقاً، وفرض عواقب واضحة في حال الرفض المتعمد والمتكرر للاندماج.
- المجموعة الثالثة (10%): وتضم المجموعات المبتعدة عن الاندماج أو الرافضة له، بدءاً من الشباب الفاشلين في المنظومة التعليمية، وصولاً إلى الأوساط الأيديولوجية التي ترفض الديمقراطية والليبرالية، والتيارات اليمينية المتطرفة والإسلاموية. ويرى غونغور ضرورة تقديم فرص ثانية للشباب، مع اتخاذ “موقف حازم” تجاه التيارات المعادية للمساواة والديمقراطية.
النمسا “مجتمع هجرة رغم إرادته”
وصف غونغور النمسا بأنها “مجتمع هجرة رغم أنفه” (Einwanderungsgesellschaft wider Willen)؛ فخلافاً لدول مثل كندا أو أستراليا التي خططت للهجرة، جاءت الهجرة الدائمة إلى النمسا نتيجة “عدم اتخاذ قرار” من الطرفين في الستينيات. واليوم، تبرز المفارقة في أن النمسا تحتاج إلى العمالة اقتصادياً، لكنها لا ترحّب بها عاطفياً.
الحجاب والتعليم والدين
وفيما يخص حظر الحجاب حتى سن 14 عاماً، أعرب غونغور عن تأييده له، واصفاً إياه بأنه رمز تاريخي “لميزوجينية” (كراهية النساء) نابع من رؤية دينية تحصر المرأة ككائن “مغرٍ ومغٍوٍ بالخطيئة” وتعمل على تغييبها. واعتبر أن ارتداء الطفلة للحجاب في سن الثامنة أو الثانية عشرة يؤثر على هويتها وسلوكها ويقلص فرص تطورها.
أما في المدارس، فأشار إلى أن المشكلة ليست في كون الطلاب مسلمين، بل في وجود مجموعات تتبنى فهماً صدامياً ومنعزلاً للإسلام، يحفزه الأهل والمحيط الرقمي. وحذر من أن هؤلاء الأطفال يشعرون بأنهم “في قفص الاتهام” سياسياً، في حين أنهم سيشكلون “مركز المجتمع” مستقبلاً، لذا يجب تعزيز شعورهم بالانتماء.
التحذير من استهداف المسلمين ككتلة واحدة
انتقد غونغور التركيز السياسي المفرط على الإسلام، مشيراً إلى أن ذلك يخلق تفاعلاً سلبياً؛ حيث تؤدي بعض الممارسات الخاطئة في المجتمعات الدينية المحافظة إلى وصم جميع المسلمين (بمن فيهم العلمانيون والمعتدلون) بشكل جماعي.
واعتبر غونغور أن المنشورات السياسية التي تعمم الأحكام (مثل منشور حزب الشعب حول صعوبة العيش مع المسلمين) هي منشورات “مرفوضة تماماً” وتؤدي إلى “الاغتراب العاطفي” (emotionale Desintegration) لأولئك المندمجين الذين يشعرون بأنهم مستهدفون رغم التزامهم، مما يعزز الاستقطاب الاجتماعي ويقوض جهود الاندماج في فيينا وبقية الولايات.
وخلص الخبير إلى أن المخرج من هذا الاستقطاب يكمن في تصحيح الصورة الأساسية: الاعتراف بالـ 70% المندمجين، الاستثمار الموجه في الـ 20% الساعين للاندماج، ووضع حدود واضحة وصارمة للـ 10% الرافضين للقيم الديمقراطية.



