بعد عام على سقوط الأسد.. خبراء يصفون الوضع في سوريا بـ “غير الواضح” و “شديد التقلب”

فييناINFOGRAT:

أنهى دخول مجموعة من الفصائل المسلحة بقيادة إسلاميين إلى مدينة دمشق في 8 ديسمبر 2024 حكمًا استبداديًا دام لأكثر من 50 عامًا في سوريا، وهي نهاية وصفت بالـ “مفاجئة” للكثيرين. وقد مثلت هذه الأحداث نقطة تحول حاسمة في بلد مزقته الحرب الأهلية، حيث يصف الخبراء المرحلة الحالية بـ “ساعة الصفر السورية”. وبعد عام من فرار الرئيس السابق بشار الأسد، لا يزال وجهة البلاد المستقبلية غير واضحة، إذ يصف الخبراء الوضع بأنه “غامض” و “شديد التقلب”، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).

وفي فعالية نقاشية نظمتها منظمة حقوق الإنسان الألمانية-السورية “Adopt a Revolution” في “Haus der Menschenrechte” في Berlin، أشار المشاركون إلى أن سوريا تعيش مرحلة انتقالية “غير شفافة” بنظام حكم غير واضح، وهو ما يحمل في طياته فرصًا وعقبات جديدة.

وقد أشارت سارة باسيسه (Sarah Bassisseh)، طالبة الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة Tübingen، خلال الفعالية التي دعمتها مؤسسة “Heinrich-Böll-Stiftung” الألمانية تحت عنوان “The Last Zero – Syriens Stunde null: ein Jahr nach dem Regimesturz”، إلى أن الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع (Ahmed al-Scharaa) تظهر “جوانب ديمقراطية” بما في ذلك “قدر معين من حرية التعبير”. لكنها استدركت مؤكدة أن “القمع مستمر، وكذلك العنف، وهو عنف منظم”.

مخاوف بشأن قيادة الشرع والوضع الاقتصادي المتدهور

على الرغم من وعد رئيس المرحلة الانتقالية السوري، الشرع، بتشكيل حكومة انتقالية شاملة واحترام جميع الطوائف الدينية، لا تزال هناك مخاوف بشأن قدرات قيادة الزعيم السابق لجماعة “Haiat Tahrir al-Scham” (HTS) المتمردة الإسلامية، والتي قادت الانتفاضة التي أدت إلى سقوط الأسد في العام الماضي.

وبمناسبة الذكرى السنوية، أكد توماس فولك (Thomas Volk)، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة “Konrad-Adenauer-Stiftung” (KAS) الألمانية، في إحاطة صحفية، أنه لا يزال من غير الواضح ما هو نظام الدولة الذي سيسود في سوريا مستقبلاً.

وقدم فولك بالاشتراك مع رئيسة مكتب KAS الخارجي في لبنان، كريستينا باده (Christina Baade)، عرضًا للمشكلات العديدة والتحديات والمخاطر ومناطق الصراع المفتوحة في البلاد. ووصفت باده الوضع بأنه “شديد التقلب”. ومع ذلك، أشار فولك إلى وجود تفاؤل “حذر”، مستشهدًا بزيارة قام بها إلى دمشق، بناءً على شعار مفاده: “انتهت الحرب الأهلية، وانتهت الديكتاتورية، ويمكن التغلب على الصدمة”.

ومع ذلك، لا يزال الوضع الاقتصادي حرجًا، وهو أحد الأسباب الرئيسية لفتور الحماس الذي أعقب الإطاحة بنظام الأسد. ويرى فولك أن الشعب السوري يطالب الحكام الجدد بقيادة الشرع بتحسين الأوضاع، مشيرًا إلى أن نسبة البطالة بين الشباب تقدر بحوالي 60 في المئة، ومعلقاً: “التذمر وعدم الصبر يتزايدان”.

ولا تزال أجزاء واسعة من المراكز الكبرى مثل حلب (Aleppo) وحمص (Homs) تقع تحت الأنقاض. ويعيش مئات الآلاف — إن لم يكن الملايين — من النازحين داخليًا في ملاجئ مؤقتة، بالإضافة إلى ملايين السوريين والسوريات في الخارج. وبالتالي، تظل إزالة أضرار 13 عامًا من الحرب الأهلية إحدى أولويات الحكومة الانتقالية.

تحدي الوحدة الوطنية والأمن: “IS” قنبلة موقوتة

تعتبر عملية الوحدة الوطنية والتهدئة التي أعلن عنها الشرع، مهمة ضخمة وخطيرة للغاية. فحتى الآن، لا يزال نفوذ الحكومة الانتقالية يقتصر على أجزاء من البلاد. ويضاف إلى ذلك الوضع الأمني الذي لا يزال يمثل تحدياً.

ويستند تحذير وزارة الخارجية من السفر إلى سوريا بالكامل على تقييم مفاده أنه: “على الرغم من سقوط الأسد في ديسمبر 2024، لا تزال الصراعات المسلحة، والإرهاب، والاعتقالات التعسفية، وعمليات الخطف، ومعدلات الجريمة المرتفعة للغاية قائمة”.

وتتكرر أعمال العنف وجرائم الكراهية ضد الأقليات، مثل الأقلية العلوية (Alawiten)، التي ينتمي إليها الأسد المخلوع. كما تعرضت أقليات أخرى للهجمات؛ ففي يوليو الماضي، قُتل المئات خلال اشتباكات مسلحة بين البدو والقوات الحكومية ضد أقلية الدروز (Drusen) في الجنوب. ووجدت أقلية المسيحيين (Christen) نفسها بين خطوط النار، حيث فر المئات منهم لاحقاً من محافظة السويداء (Suwaida) وفقًا للتقارير.

كما يوجد تقارب ضئيل مع ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية (SDF)، التي تسيطر على شمال شرق البلاد والمخيمات الموجودة هناك، والتي تضم ما يقدر بنحو 20 ألف مقاتل سابق محتجز من تنظيم “الدولة الإسلامية” (IS) الإرهابي.

وإلى جانب “IS” الذي وُصف بأنه “قنبلة موقوتة”، أشار فولك إلى الانقسام الذي حدث في ميليشيا “HTS” التي كان يقودها الشرع سابقًا، والتي صنفتها دول عديدة لفترة طويلة كمنظمة إرهابية إسلامية. ويبدو أن الشرع فقد السيطرة على معظم المجموعات السابقة التابعة لـ “HTS”، والتي كان يصل عددها إلى 60 مجموعة. وتحدث فولك عن أن هذا يمثل خطرًا أمنيًا إضافيًا على استقرار الحكومة الانتقالية وعلى الشرع نفسه.

جولة الشرع الدبلوماسية: الرياض، أنقرة، باريس، موسكو، واشنطن

إن الشرع الذي كانت الولايات المتحدة قد عرضت في السابق مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار أمريكي (حوالي 8.6 مليون يورو) للقبض عليه، لم يتخلَّ عن اسمه الحركي القديم الذي يعود إلى فترة وجوده في “جبهة النصرة” الإسلامية، وهو أبو محمد الجولاني (Abu Mohammed al-Dschawlani)، واستبدل زيه القتالي الأخضر ببدلة رسمية، بل يعتمد في دوره الجديد على إعادة إدماج البلاد المعزولة منذ فترة طويلة في الساحة الدبلوماسية لإعادة الإعمار. قادته أولى زياراته الرسمية إلى حلفائه المقربين في الرياض (Riad) وأنقرة (Ankara) والدوحة (Doha)، وتلتها زيارات إلى قصر الإليزيه (Elysee-Palast)، والكرملين (Kreml)، وأخيراً إلى البيت الأبيض (Weißes Haus).

ووفقًا لصحيفة “Le Monde diplomatique”، يسعى الشرع إلى الظهور بمظهر السياسي المرن والمستعد للتسوية، القادر على وضع سوريا الممزقة على طريق المصالحة. ويبقى السؤال: إلى أي مدى تخلى الحاكم الجديد لسوريا فعلياً عن الفكر الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بعملية صياغة الدستور الجارية حاليًا.

ويعتبر التعامل مع الإرث الدموي لنظام الأسد والمصالحة المجتمعية المعلقة أمرًا حاسمًا لمسار سوريا المستقبلي. ومع ذلك، فإن حجم الفظائع التي ارتكبها النظام يتضح شيئًا فشيئًا. وترافق ذلك اتهامات للحكومة الانتقالية بأنها لم تقدم ما يكفي حتى الآن للمساعدة في كشف الحقائق. ويبقى موضع شك ما إذا كان الأسد، الذي فر إلى موسكو في 8 ديسمبر، سيُحاسب أمام محكمة سورية في أي وقت، بصرف النظر عن طلب تسليمه الذي يبدو أن الشرع قد قدمه مباشرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (Wladimir Putin).

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى