“الابتذال والخطيئة”.. تطبيق رقمي يعيد إحياء الحياة الليلية الصاخبة في تيرول خلال العشرينيات من القرن الماضي
النمسا ميـديـا – تيرول:
نجحت باحثتان من جامعة Innsbruck في تسليط الضوء على الحياة الليلية النابضة بالحياة في مدينة Innsbruck خلال فترة ما بين الحربين العالميين، وأثمرت دراستهما عن تطوير تطبيق رقمي بأسلوب الرواية الإذاعية (الهيدفون) مدعوم بجرعة مكثفة من الموسيقى والرسوم التوضيحية ثلاثية الأبعاد للحانات الراقصة في تلك الحقبة. ويهدف هذا الدليل الرقمي للسفر عبر الزمن، والذي يحمل اسم “Schund und Sünde” (الابتذال والخطيئة)، إلى جعل التاريخ ملموساً وحياً للمستخدمين.
صخب “العشرينيات الذهبية” ودخول الجاز إلى تيرول
شهدت العشرينيات الذهبية أجواءً احتفالية صاخبة لم تقتصر على فيينا أو برلين فحسب، بل امتدت لتصل إلى مقاهي الرقص ومسارح المنوعات (الفاودفيل) في Innsbruck، حيث صدحت إيقاعات جديدة وبرية. وقد دخلت موسيقى الجاز الحديثة إلى أوروبا عبر قوات الحلفاء المنتصرة بعد الحرب العالمية الأولى. ولم تكن المدينة تضم فقط مقهى Café Schindler الشهير في شارع Maria-Theresien-Straße، بل كانت تعج بالعديد من المنشآت الترفيهية الصاخبة والمثيرة.
وتوضح الباحثة الثقافية Manuela Rathmayer، التي طورت الدليل الرقمي بالتعاون مع عالمة الموسيقى Sandra Hupfauf، أن الحياة الليلية كانت تنبض بالحيوية؛ حيث كان الناس يخرجون للسهر حتى الساعة الثانية صباحاً. وفي ذلك الوقت، لم يكن يفتح أبوابه سوى Odeon Kasino وAustria Bar. وفي تمام الساعة الخامسة صباحاً، كان يتقاطع طريق رواد السهر العائدين مع العمال المتوجهين إلى أعمالهم الفجرية، بناءً على ما نقلته الباحثتان من مقالات صحفية قديمة.
مسرح “أبوللو” للمنوعات وظاهرة محاكاة النساء
في شارع Rennweg، وتحديداً في الموقع الذي يشغله اليوم استوديو هيئة الإذاعة النمساوية (ORF Landesstudio Tirol)، افتتح رجل الأعمال اليهودي Karl Löwy عام 1918 مسرح “Apollo Varieté”، والذي عُرف لاحقاً باسم “Exl-Bühne”. وكان المسرح يشهد عروضاً لفنانات التصفير الفني، والمتكلمين من البطن، وفنانات يستعرضن بملابس جريئة.
وأثارت إحدى المدونات على بطاقة برنامج قديم تضمنت اسم “Hansi Rom كمحاكي للنساء” فضول الباحثة Rathmayer. وتوضح أن محاكي النساء في ذلك الوقت يمكن تشبيهه بفنانين الـ “Drag Queen” اليوم، حيث كان رجال يظهرون بملابس نسائية ويؤدون رقصات استعراضية غريبة أو فولكلورية وفقرات كوميدية.
أبحاث تاريخية في المقاهي لمواجهة التهميش الأكاديمي
استبدلت العالمتان مكتبهما في معهد الإثنولوجيا الأوروبية بجامعة Innsbruck بأجواء المقاهي التقليدية مراراً وتكراراً، رغبةً منهما في الانغماس في أجواء تلك الحقبة عبر روائح القهوة وطقطقة الفناجين. وعلى الرغم من أن موضوع “ثقافة الترفيه” ظل لفترة طويلة أمراً غير مرغوب فيه ومرفوضاً في الأوساط العلمية، إلا أن دراسة الثقافة اليومية مكنت الباحثتين من استكشاف جوانب هامة تتعلق بوضعية المرأة ومسألة المثلية الجنسية خلال فترة ما بين الحربين.
ومع صعود الفاشية النمساوية والاشتراكية القومية (النازية)، بدأت حملات التحريض ضد كل ما هو “غير ألماني” وأجنبي. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، شهدت Innsbruck تحريضاً ممنهجاً ضد المنشآت المملوكة لليهود وضد المهاجرين القادمين من إيطاليا، كما تعرضت النساء اللواتي يظهرن بجرأة على المسارح لانتقادات حادة في الصحف بدعوى ارتكاب “الخطايا”.
مزيج الجاز والفولكلور ومصادر البحث المتنوعة
تناوبت مجموعات الموسيقى الشعبية التقليدية وفرق الجاز الحديثة على العزف داخل حانات الرقص. وتشير Sandra Hupfauf إلى أن مصطلح “الجاز” في ذلك الوقت كان يعبر عن أسلوب رقص أكثر من كونه نمطاً موسيقياً، حيث سادت رقصات مثل “الفوكستروت” و”الوان ستيب” ولاحقاً الرقصات الاهتزازية الحرة. وكانت فترة العشرينيات تتميز بالانفتاح، ولم يبدأ وضع الحدود والفصل الصارم بين الموسيقى “الوطنية” والموسيقى “الوافدة/الأجنبية” إلا مع وصول النازيين إلى السلطة.
واعتمدت الباحثتان على مصادر متنوعة شملت البطاقات البريدية الفنية، الملصقات، المقالات الصحفية، أسطوانات الشمع (Shellac)، وكتيبات البرامج. ولم تكن رغبتهما مقتصرة على النشر العلمي الفني فحسب، بل أرادتا نقل هذه الاكتشافات إلى جيل الشباب، لاسيما وأن الحياة الليلية اليوم تمر بمرحلة تحول، والهدف هو التذكير بأن الحياة الليلية في Innsbruck كانت ذات يوم متنوعة للغاية.
رحلة رقمية أخيرة لـ “ترودي وسارة” عام 1938
يأخذ التطبيق المستخدمين في رحلة تقودها صديقتان هما “ترودي” و”سارة” عام 1938 في جولة أخيرة عبر Innsbruck. تضطر سارة، التي يُعتقد أنها من خلفية يهودية، لمغادرة المدينة، ومن خلال المحادثات التي تدور بينهما حول الحاكم النازي (Gauleiter) Franz Hofer، يتضح للمستخدم أن ترودي تميل أكثر نحو الفكر القومي الألماني.
وتزور الصديقتان المحلات مجدداً وتسردان مغامراتهما في Odeon Kasino أو Austria Bar. كما تعرجان على صالة المعارض “Messehalle” المصنفة اليوم كمعلم أثري محمي، والتي كانت تضم في الماضي قصر الترفيه الضخم “Colosseum”، حيث كانت تقام نزالات ملاكمة نسائية وعروض للسيرك وألعاب الأكروبات.
إعادة بناء الهندسة المعمارية المفقودة رقمياً
عند زاوية شارع Meranerstraße 7 مع شارع Erlerstraße 17، كان يقع في الماضي مدخل مقهى Café München الشهير الذي افتتح عام 1920. وحظي المقهى بتصميم المعماري Lois Welzenbacher ذو الشهرة العالمية، وكان يضم فرقة موسيقية خاصة وصالات لبولينج الخشب والبلياردو.
واليوم، لم يتبق أي أثر مادي لهذا المكان. إلا أن المصمم Stefan Hartlieb المتخصص في المحاكاة ثلاثية الأبعاد، أعاد بناء هذه المساحات رقمياً بالاعتماد على المخططات الهندسية والأوصاف المنشورة في الصحف القديمة، ليعيد إحياء المسرح الذي تتحرك عليه ترودي وسارة.
وتعزو الباحثتان غياب معرفة الأجيال الحالية بهذه الثقافة الترفيهية الصاخبة إلى الأيديولوجية النازية؛ فبعد ضم النمسا إلى ألمانيا الهتلرية عام 1938 (Anschluss)، تعرضت المحلات المملوكة لليهود – مثل Café Schindler – للتشويه ومصادرة الممتلكات. ويأتي عنوان التطبيق “Schund und Sünde” كإشارة وتلاعب لفظي بالمصطلحات التي كانت شائعة في العهد النازي مثل “Schuld” (الذنب) و”Sühne” (التكفير).
واعترفت Hupfauf أن الانتقال من أسلوب الكتابة الأكاديمية الصارمة القائمة على الاقتباسات والتواريخ إلى أسلوب سردي مشوق ومبسط لم يكن سهلاً، حيث تعين عليهما التخلي عن المصطلحات المعقدة والأرقام الجافة لجعل القصص المأساوية والمضحكة للفنانات والأكروبات والراقصات، لاسيما اليهوديات منهم، مسموعة وملموسة مجدداً.



