بتكلفة 20 مليون يورو.. شرطة النمسا العليا تتسلم رسمياً مقر مسقط رأس هتلر في بروناو

النمسا ميديـا – النمسا العليا:

بات المبنى التاريخي المثير للجدل الواقع في منطقة “Salzburger Vorstadt 15” بمدينة بروناو (Braunau) جاهزاً تماماً لاستقبال عناصر الشرطة، بعد الانتهاء من أعمال إعادة هيكلته وتطويره بالكامل بتكلفة إجمالية بلغت نحو 20 مليون يورو، ووفقاً لما أوردته الصحفية Elisabeth Holzer-Ottawa اليوم الاثنين 6 يوليو 2026، فإن هذا العقار الذي يعود تاريخ تشييده إلى القرن السابع عشر يشهد تحولاً جذرياً في وظيفته لإنهاء عقود من الجدل السياسي والاجتماعي المحيط به، حيث ولد فيه الديكتاتور النازي أدولف هتلر عام 1889 قبل أن تنتقل عائلته بعد ثلاثة أعوام إلى مدينة باساو الألمانية.

مزار لتيارات اليمين المتطرف

وعلى الرغم من أن الديكتاتور النازي لم يقضِ سوى سنوات قليلة من طفولته المبكرة في هذه المدينة المطلة على نهر Inn في مقاطعة النمسا العليا، إلا أن مسقط رأسه ظل لعقود طويلة بعد سقوط النظام النازي بمثابة مزار سياحي ومحج تلتقي فيه جماعات اليمين المتطرف، ويعود ذلك إلى الأهمية الرمزية الكبيرة التي أولاها النازيون أنفسهم للمبنى؛ ففي مايو 1938 اشترت منظمة الحزب النازي (NSDAP) العقار، وقامت وزارة الثقافة النازية آنذاك بوضعه تحت حماية هيئة الآثار باعتباره “مسقط رأس القائد”.

وظل ظهور النازيين الجدد يتكرر بانتظام أمام المنزل حتى سنوات الألفين، وتحديداً في محيط تاريخ 20 أبريل الذي يوافق يوم ميلاد هتلر، حيث كانوا يقومون بوضع الزهور والتقاط الصور التذكارية مؤدين “التحية النازية” المحظورة قانوناً.

نصب تذكاري ضد الفاشية وتحولات المنشأة

ولمواجهة هذا النوع من السياحة غير المرغوبة، قامت مدينة بروناو في عام 1989 بوضع لوحة تذكارية تحذيرية ضد الفاشية أمام المنزل، وجُلبت الصخرة التي نُقشت عليها العبارات مباشرة من معسكر الاعتقال النازي السابق “ماوتهاوزن” (Mauthausen).

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أُعيد العقار إلى مالكيه الأصليين، لكن جمهورية النمسا قامت باستئجاره على الفور؛ وضمت البناية حتى ستينيات القرن الماضي مكتبة المدينة، ثم تلا ذلك استخدامها كمقر لبنك، ومدرسة، ومركز رعاية نهارية لذوي الاحتياجات الخاصة، ومنذ عام 2011، ظل المنزل فارغاً تماماً ولم تنجح محاولات استغلاله مجدداً بسبب غياب التجهيزات اللازمة لسهولة وصول ذوي الإعاقة (Barrierefreiheit).

صراع قضائي وقانون نزع الملكية

بدأت النقاشات العامة حول كيفية التعامل مع تاريخ هذا المنزل وتبعاته في أوائل القرن الحالي بمبادرة من جمعية التاريخ المعاصر في بروناو، وفي عام 2016 دخلت السياسة الاتحادية على خط الأزمة بعد أن ظل المنزل مهجوراً لسنوات بينما كانت الدولة تدفع إيجاراً شهرياً يقارب 5,000 يورو للمالكين، وفي 15 ديسمبر 2016، أقر البرلمان النمساوي (Nationalrat) بأغلبية أصوات أحزاب (SPÖ وÖVP والخضر وNeos) قانوناً خاصاً يمهد الطريق لنزع ملكية العقار لصالح الدولة.

وتعهدت جمهورية النمسا بموجب هذا القانون بالاحتفاظ بملكية العقار وإدارته وتخصيصه لاستخدام يضمن قطع الطريق نهائياً وبشكل دائم على أي أنشطة تهدف إلى إحياء، أو تعزيز، أو نشر الفكر الاشتراكي القومي (النازي)، أو أي شكل من أشكال التمجيد لتلك الحقبة.

من مقترح الهدم إلى تسليم المقر للشرطة

وشهدت المرحلة التالية تعقيدات قانونية وهندسية عديدة؛ حيث فكّر وزير الداخلية الأسبق Wolfgang Sobotka (حزب الشعب ÖVP) في البداية بهدم المبنى، أو إعادة تصميمه بطريقة لا تسمح بالتعرف على شكله الخارجي كلياً، غير أن العقار كان مدرجاً بالفعل تحت قانون حماية الآثار منذ أكثر من 20 عاماً كجزء من مجموعة معمارية متكاملة، وفي عام 2019 وضع وزير الداخلية في حكومة تسيير الأعمال، Wolfgang Peschorn، حداً لهذا الجدل معلناً تكييف المبنى ليصبح مقراً ومساحة عمل لرجال الشرطة.

وبرر Peschorn القرار حينها قائلاً: “إن الاستخدام المستقبلي للمنزل من قبل جهاز الشرطة يرسل إشارة واضحة لا لبس فيها بأن هذا المبنى قد سُحب تماماً وللأبد من أي محاولة لإحياء ذكرى الاشتراكية القومية”.

وبناءً على ذلك، أُطلقت مسابقة هندسية على مستوى الاتحاد الأوروبي فاز بها مكتب التصميم المعماري “Marte.Marte Architekten” من مقاطعة فورارلبرغ، وبدأت أعمال البناء والترميم الفعلي في أكتوبر 2023، ومن المقرر أن تنتقل القيادة الإقليمية لشرطة المقاطعة ومفتشية شرطة بروناو رسمياً إلى المقر الجديد في شارع Salzburger Vorstadt 15 بحلول 22 يوليو 2026.

ويُحاكي هذا النموذج تجربة سابقة ناجحة طُبقت في مدينة ميونخ الألمانية؛ فالمبنى الواقع في شارع “Prinzregentenplatz 16” والذي كان هتلر يقطنه ابتداءً من عام 1929، تم تحويله منذ عام 1949 إلى مركز شرطة نشط حتى يومنا هذا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى