بدءاً من سبتمبر.. إطار موحد وتقييمات طبية صارمة تحت طائلة القانون في النمسا

النمسا ميديا – فيينا:
أقرت هيئة التأمين التقاعدي (PVA) القواعد التوجيهية التي تم الإعلان عنها سابقاً كـ “مدونة سلوك” للأطباء الفاحصين والمقيمين الطبيين. ووفقاً لبيان صادر عن الهيئة، وافق مجلس إدارة (PVA) يوم الاثنين على “توجيهات إلزامية للتقييمات الطبية”، بهدف إرساء “معايير جودة أساسية” ضمن “إطار تنظيمي موحد وملزم في جميع أنحاء النمسا”. ويأتي هذا القرار بعد أشهر من الانتقادات الحادة والواسعة التي طالت إجراءات التقييم الطبي.
أهداف التوجيهات الجديدة وموعد تطبيقها
وأوضحت هيئة التأمين التقاعدي في بيانها الصحفي أن التقييمات الطبية لها “تأثيرات بعيدة المدى على الظروف المعيشية للمؤمن عليهم”، ولذلك فإن “الجودة المهنية، والموضوعية، والشفافية، والتعامل المحترم” مع المتضررين تعد أموراً بالغ الأهمية. ومن خلال قرار مجلس الإدارة، ترسخ الهيئة هذه المبادئ في توجيهات ملزمة “لجميع الأطباء الفاحصين والمقيمين الطبيين العاملين لحساب (PVA)”. وقد تم إعداد هذه التوجيهات عبر “عملية موسعة شملت جميع المسؤولين داخل هيئة التأمين التقاعدي”، ومن المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في جميع أنحاء النمسا اعتباراً من أول سبتمبر. وتستند التوجيهات إلى “معايير الجودة العالية التي ميزت ممارسات التقييم في الهيئة لسنوات عديدة، والتي جرى تقييمها وتطويرها مؤخراً”.
تحديد معايير التواصل وحقوق المؤمن عليهم
وفيما يتعلق بمضمون التوجيهات، أشارت الهيئة إلى أنها تحدد “معايير التواصل، والشفافية، والجودة المهنية، والتدريب المستمر، والتعاون”. وتطبق هذه القواعد على جميع الأطباء الفاحصين المعينين لدى هيئة التأمين التقاعدي، وكذلك العاملين بطلب منها. وبموجب القواعد الجديدة، سيُمنح المؤمن عليهم “الفرصة الكافية لعرض أوضاعهم الشخصية”، كما سيتعين على الفاحصين “شرح الغرض من التقييم ومجريات الفحص بأسلوب واضح ومفهوم”، مع مراعاة الاحتياجات الفردية وحالات الضغط النفسي للمرضى.
الحق في مرافقة شخص موثوق والالتزام بالموضوعية
بالإضافة إلى ذلك، أشارت الهيئة إلى الحق القانوني في مرافقة شخص موثوق اعتباراً من أول سبتمبر. وأكدت (PVA) أن الفاحصين ملزمون قانوناً بتقديم تقييماتهم “بشكل حصري على أساس القواعد الطبية الموضوعية”. كما تشدد التوجيهات على أهمية التدريب المهني المستمر، حيث ينطبق الالتزام القانوني بالتدريب على جميع الأطباء الفاحصين بالتساوي مع بقية الأطباء وأطقم الرعاية الصحية. ودُعي الخبراء أيضاً إلى “عدم تجاوز” كفاءتهم المهنية و”حدود تخصصاتهم” أبداً، لما قد يترتب على ذلك من عواقب قانونية وتأديبية.
انتقادات حادة لممارسات التقييم السابقة
وتواجه هيئة التأمين التقاعدي انتقادات متزايدة بشأن ممارسات التقييم منذ أكثر من عام. ففي مايو من العام الماضي، كشف تحقيق صحفي مشترك أجرته وكالة الأنباء النمساوية (APA) وهيئة الإذاعة النمساوية (ORF) ومجلة (Dossier) عن تجاوزات في التعامل مع المصابين بأعراض “كوفيد الطويل” (Post-Covid) ومرض التهاب الدماغ والنخاع العضلي/متلازمة التعب المزمن (ME/CFS). وتجددت الانتقادات في مارس الماضي بناءً على دراسة تكفلت بها غرفة العمال في النمسا العليا (Arbeiterkammer Oberösterreich)، تحدثت عن تقييمات افتقرت إلى الاحترام، ووصف بعض المرضى الأسلوب بأنه “شبه عسكري” وصل إلى حد “الصراخ” وتوجيه اتهامات للمرضى بادعاء المرض والتمارض.
حزمة إجراءات حكومية لمعالجة الأزمة
وعقب الاحتجاجات العامة العنيفة من قبل جمعيات رعاية المصالح وروابط المرضى، بالإضافة إلى الأوساط السياسية، تم صياغة “حزمة إجراءات” بالتعاون بين وزارة الشؤون الاجتماعية وهيئة (PVA) أُعلن عنها في مطلع أبريل، شملت وضع “مدونة سلوك” للأطباء الفاحصين. علاوة على ذلك، تم تمرير تعديل قانوني في البرلمان (Nationalrat) يمنح المرضى بدءاً من سبتمبر الحق القانوني في اصطحاب شخص موثوق به لحضور جميع الفحوصات والتقييمات الطبية.
جدل مستمر حول مواد التدريب الداعمة
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، ففي نهاية أبريل الماضي، تسربت وثائق تدريبية داخلية تابعة لجمعية (ÖBAK) المسؤولة عن تدريب الأطباء الفاحصين، وتتعلق بمرضي (ME/CFS) و(Post Covid). وانتقد الخبراء بشدة النصوص الموصى بها في تلك الوثائق، معتبرين أنها صُممت لتجريد المرضى من مصداقيتهم وعرقلة حصولهم على الإعانات الاجتماعية. وفي مطلع يونيو، عزز استطلاع رأي أجرته شبكة مكافحة الفقر (Armutskonferenz) وجمعيات (Chronisch Krank) و(Lichterkette) هذه الانتقادات ضد آليات التقييم المتبعة. وتأتي هذه التطورات بعد موجة استياء أثارتها تصريحات نُسبت في العام الماضي لرئيس هيئة (PVA) المدعو Winfried Pinggera، والذي نُقل عنه ووصف مصابي (ME/CFS) وأطباءهم بأنهم “مخادعون” و”دجالون” بحسب ما صرح به Gerhard Ströck مؤسس مؤسسة (We&Me). ورغم نفي رئيس الهيئة لتلك الادعاءات حينها، إلا أن Ströck تمسك بروايته عند سؤاله مجدداً.
تصريحات الإدارة لتعزيز الثقة بالمنظومة
ومن جانبها، شددت إدارة (PVA) يوم الاثنين على أهمية الخطوة الحالية؛ حيث أكد رئيس الهيئة Peter Schleinbach المنتمي لحزب (SPÖ) أن الإدارة الذاتية والموظفين يمثلون “المسؤولية والموثوقية والجودة”، وأضاف: “من خلال التوجيهات التي تم إقرارها اليوم، نؤكد عزمنا على إجراء التقييمات الطبية وفقاً لأعلى المعايير الممكنة، وبذلك نخلق الشفافية ونعزز ثقة المؤمن عليهم في قرارات هيئة التأمين التقاعدي”. وبالمثل، صرح الرئيس الثاني للهيئة Andreas Herz المنتمي لحزب (ÖVP) قائلاً: “التقييمات الطبية تمس أشخاصاً يمرون بظروف حياتية صعبة، ولذلك يجب أن تُجرى على أسس مهنية راسخة، وتكون مفهومة ومحترمة. هذه المبادئ كانت دائماً جوهرية بالنسبة لهيئة التأمين التقاعدي، ومع التوجيهات الجديدة نضع الآن إطاراً موحداً وملزماً في جميع أنحاء النمسا”.