تقرير الأدوية في النمسا: تكاليف الرعاية الصحية تقفز بنسبة 88% والضمان يواجه تحدي التمويل

النمسا ميـديـا – فيينا:

قدّم الاتحاد العام لمؤسسات الضمان الاجتماعي في النمسا، يوم الأربعاء، تقريراً شاملاً حول الأدوية والعقاقير الطبية (Heilmittelbericht) للمرة الأولى، كاشفاً عن قفزة هائلة في تكاليف الرعاية الصحية التي يتحملها الضمان الاجتماعي، حيث سجلت التكاليف ارتفاعاً قياسياً بنسبة 88.2% مقارنة بعام 2013. وفي مقابل هذا الارتفاع المالي الحاد، حمل التقرير أنباءً إيجابية تؤكد تلاشي أزمة نقص الأدوية وصعوبات الإمداد التي واجهتها البلاد سابقاً بشكل شبه كامل.

تفاصيل نمو النفقات والعوامل الديموغرافية

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة في التقرير، فقد بلغت ميزانية تمويل الأدوية في العام الماضي 4.9 مليار يورو، مسجلة زيادة بنسبة 7.5% مقارنة بعام 2024. وارتفع متوسط تكلفة الفرد الواحد الذي حصل على دواء واحد على الأقل مدعوماً من التأمين الصحي ليصل إلى حوالي 800 يورو، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 11% مقارنة بعام 2024، وقفزة بنسبة 86% مقارنة بعام 2013. وأرجع الاتحاد العام هذا الارتفاع المستمر بشكل أساسي إلى زيادة مستويات أسعار الوصفات الطبية المصروفة، إلى جانب التطور الديموغرافي وشيخوخة المجتمع؛ حيث يتلقى المؤمن عليهم الأكبر سناً وصفات طبية أكثر بكثير سنوياً مقارنة بالشباب. وعلى الرغم من هذه التكاليف المرتفعة، انخفض العدد الإجمالي للوصفات الطبية من 122 مليون وصفة في عام 2013 إلى 106 ملايين وصفة في عام 2025؛ ويعود ذلك إلى هبوط أسعار العديد من الأدوية الرخيصة لتصبح دون قيمة رسوم الوصفة الطبية البالغة 7.55 يورو.

استقرار الإمدادات وسرعة توفر الأدوية الحديثة

وفيما يتعلق بملف نقص الأدوية الذي عانت منه النمسا في السنوات الأخيرة، أظهر التقرير انفراجة واستقراراً كبيرين؛ حيث تبين أنه في أربع من أصل خمس حالات يتعذر فيها توفير دواء معين، يمكن الاستعانة ببديل يحتوي على نفس المادة الفعالة، في حين تتوفر عقاقير مكافئة أو أحجام عبوات مختلفة للحالات المتبقية. كما تتميز النمسا بسرعتها العالية في طرح الأدوية المرخصة حديثاً على نطاق واسع؛ إذ إن 82% من الأدوية التي تم اعتمادها في أوروبا بين عامي 2020 و2023 باتت متوفرة بالفعل في النمسا، مما يضع البلاد في المرتبة الثالثة أوروبياً بعد ألمانيا وإيطاليا. ويستغرق توفير الدواء في السوق النمساوية عقب ترخيصه متوسط 309 أيام، مقارنة بمتوسط الاتحاد الأوروبي البالغ 578 يوماً.

زيادة الصيدليات والشركات المدرجة في نظام التعويض (EKO)

وسجلت النمسا رقماً قياسياً غير مسبوق في عدد الصيدليات النشطة الذي وصل إلى 2,251 صيدلية. كما ارتفع عدد شركات الأدوية المدرجة منتجاتها في كود التعويضات (EKO) من 258 شركة في عام 2013 إلى 329 شركة في عام 2025. وفي هذا السياق، أكد Peter McDonald، رئيس مؤتمر مؤسسات الضمان الاجتماعي، أن النمسا تعد من الدول الرائدة التي تصل فيها الأدوية والعلاجات الحديثة بسرعة فائقة إلى المرضى، مما يثبت ريادة النمسا كمركز مبتكر لصناعة الأدوية، مع الإشارة إلى التحدي المتمثل في الحفاظ على القدرة التمويلية وتطوير جودة الرعاية الصحية في ظل الارتفاع المتسارع للتكاليف.

توسع قائمة الأدوية وتصنيفات الصناديق

وينظم كود التعويضات (EKO) شروط وأسعار الأدوية التي يتم تغطية تكاليفها، وهي مقسمة إلى صناديق ملونة من الأخضر إلى الأحمر. وضمت هذه القائمة 7,756 عبوة دواء في عام 2025، بزيادة قدرها 50% منذ تأسيس هذا النظام قبل عشرين عاماً. واستفاد 68% من الأشخاص المؤهلين من دواء واحد على الأقل على نفقة صندوق التأمين الصحي في عام 2025، حيث حصل أكثر من ثلثي المرضى على أدوية من “الصندوق الأخضر” (الأدوية التي يمكن وصفها بحرية مثل مسكنات الألم). ومع ذلك، رصد التقرير توجهاً متزايداً نحو استخدام “الصندوق الأصفر” الذي يضم أدوية ذات فائدة علاجية إضافية هامة ولم تدرج في الصندوق الأخضر لأسباب طبية أو اقتصادية صحية، وتتميز بارتفاع أسعارها جزئياً، حيث بلغت حصتها 21.5% في عام 2025.

سجال الأسعار وتباين وجهات النظر الاقتصادية

من جانبه، أشاد Andreas Huss، ممثل العمال ورئيس الصندوق النمساوي للتأمين الصحي (ÖGK)، بالمعايير العالية لنظام توفير الأدوية كإنجاز مهم لنظام الرعاية التضامني النمساوي، لكنه نبه في الوقت ذاته إلى أن النمسا تعتبر بلداً ذات أسعار مرتفعة. وأوضح Huss أن أسعار الأدوية المحمية ببراءات الاختراع في النمسا تزيد بنسبة 19% عن مستواها في السويد، في حين تفوق أسعار الأدوية الجنيسة (Generics) نظيرتها السويدية بنسبة 134%.

وفي المقابل، اعترض Alexander Herzog، الأمين العام لاتحاد صناعة الأدوية النمساوية (Pharmig)، على هذه المقارنة مؤكداً أن الأسعار في قطاع العيادات الخارجية منخفضة، وأن الشركات تجد صعوبة متزايدة في الإبقاء على منتجاتها داخل السوق بسبب الضغط المستمر لخفض الأسعار. وانتقد Herzog ما وصفه بـ “العرض غير المكتمل للأرقام”، مشيراً إلى أن شركات الأدوية تدفع مستردات سنوية للضمان الاجتماعي بلغت قيمتها نحو 600 مليون يورو في العام الماضي. كما شدد اتحاد الصناعات النمساوية (IV) على أهمية النمسا كمركز دوائي، داعياً إلى عدم النظر للابتكارات كعنصر تكلفة فقط بل كاستثمار في الصحة والقدرة التنافسية. وبدوره، أوضح اتحاد الصناعات الكيميائية أن زيادة الإنفاق على الأدوية هي نتيجة طبيعية للتغير الديموغرافي، لافتاً إلى أن العلاجات الحديثة تسهم في تحقيق وفورات مالية هامة في قطاعات صحية أخرى.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى