“لغز الأرقام”.. لماذا نشعر بالفقر رغم استقرار الدخل الحقيقي في النمسا؟

النمسا ميـديـا – فيينا:
سلط تقرير تحليلي حديث الضوء على التناقض الصارخ الذي يعيشه المجتمع النمساوي، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى استقرار “الدخل الحقيقي”، بينما يسود شعور عام بـ “أزمة قدرة شرائية” خانقة. وتكشف القراءة المتأنية للأرقام أن الاستقرار الإحصائي يخفي خلفه تشوهاً كبيراً في بنية الإنفاق المنزلي، مما جعل الضروريات تلتهم حصة الأسد من الميزانية.
وأوضح التحليل أن الدخل المتاح للأسر في النمسا ظل مستقراً من الناحية الإحصائية منذ عام 2020، حيث واكبت الزيادات في الأجور والمساعدات الحكومية السخية (مثل مكافآت المناخ والأسرة) معدل التضخم الذي بلغ نحو 28%. ومع ذلك، فإن المشكلة تكمن في أن تكاليف بنود المعيشة الأساسية ارتفعت بمعدلات تفوق التضخم العام بكثير، مما أدى إلى “إفقار” فعلي للطبقات المتوسطة والفقيرة فيما يخص الرفاهية والمدخرات.
الطاقة والمواد الغذائية.. قفزات تاريخية وفقاً لبيانات “هيئة الإحصاء النمساوية” (Statistik Austria)، سجلت أسعار الطاقة (الكهرباء والغاز والوقود) ارتفاعاً مذهلاً بنسبة 76.1% بين عامي 2020 و2025، وهي أرقام لا تشمل حتى التداعيات الأخيرة للتوترات في الشرق الأوسط (حرب إيران). كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 33%، وهي نسبة تتجاوز معدل التضخم العام، مما جعل 38% من دخل الأسرة المتوسطة يذهب لتغطية السكن والطاقة والغذاء فقط.
معضلة السكن وتجاهل الإحصاءات أشار التقرير إلى أن الإيجارات تمثل حالة خاصة؛ فبينما ارتفعت بنسبة 25.5% منذ 2020، إلا أنها سجلت زيادة تراكمية بلغت 131% منذ عام 2000، مقارنة بتضخم عام لم يتجاوز 80% في نفس الفترة. وما يزيد الأمر سوءاً هو أن الإحصاءات الرسمية للتضخم لا تعكس ثقل تكاليف السكن بشكل دقيق لأنها تأخذ في الاعتبار الملاك والمستأجرين معاً، مما يقلل من ظهور العبء المالي الحقيقي على المستأجرين في المدن الكبرى.
حلول استراتيجية بعيداً عن “المسكنات” انتقد التحليل الإجراءات الحكومية “المجهرية”، مثل خفض ضريبة القيمة المضافة على السلع الأساسية، معتبراً إياها غير كافية. وبدلاً من ذلك، دعا التقرير إلى استراتيجيات طويلة الأمد تشمل:
- في مجال الطاقة: التوسع الهائل في شبكات الكهرباء ومرافق التخزين لتقليل الاعتماد على الغاز المستورد والمتقلب الأسعار.
- في مجال الإسكان: تبني سياسة “التكثيف العمراني” (Nachverdichtung)، خاصة في فيينا، حيث تشير الدراسات إلى إمكانية بناء 120 ألف شقة إضافية في المساحات غير المستغلة دون الحاجة لتغيير تصنيف الأراضي أو رصد ميزانيات عامة ضخمة.
وخلص التقرير إلى أننا لسنا أفقر من حيث الأرقام المطلقة، ولكننا بالتأكيد أفقر من حيث جودة الحياة؛ فالدخل الذي كان يكفي لرحلة طيران طويلة أصبح اليوم بالكاد يكفي لفندق في بلد مجاور، أو لا يكفي لشيء على الإطلاق بعد سداد فواتير التدفئة والإيجار.



