مستندة إلى شهادات 16 ضحية.. المدعي العام في فيينا يقدم لائحة اتهام من 165 صفحة لمحاكمة ضابطين من النظام السوري السابق

النمسا ميديا – فيينا:

تبدأ محكمة فيينا الإقليمية لشوؤن الجنايات (Landesgericht für Strafsachen Wien) يوم غدٍ الإثنين، محاكمة جنائية تاريخية تُعد الأولى من نوعها في النمسا، ضد مسؤولين أمنيين سابقين في النظام السوري بتهمة ممارسة التعذيب الممنهج، حيث يواجه المتهمان لائحة اتهام ضخمة صاغها المدعي العام Edgar Luschin وتتألف من 165 صفحة، وتستند إلى شهادات 16 ضحية مستعدة للإدلاء بأقوالها أمام القضاء، في قضية وُصفت بأنها “محاكمة ماراثونية” قد تمتد لأسابيع أو أشهر نظراً لتعقيدها وحجم الأدلة والتقارير الطبية والنفسية المرفقة بها.

تفاصيل لائحة الاتهام .. “حفلات استقبال” وزنازين مرعبة في المدرسة

تكشف لائحة الاتهام، التي حصلت عليها صحيفة INFOGRAT، عن فظائع مروعة ارتكبت في مراكز الاحتجاز بمدينة الرقة شرقي سوريا بين عامي 2011 و2013؛ وكان المتهم الأول خالد الحلبي (62 عاماً)، العميد السابق في المخابرات العامة السورية، يدير القسم رقم 335 الذي اتخذ من مدرسة ابتدائية مقراً له، حيث حُوّلت أقبية المدرسة إلى زنازين ضيقة ومكتظة يوضع فيها نحو 25 شخصاً في غرفة لا تتعدى مساحتها 5 في 5 أمتار في ظروف كارثية، بينما كان مكتبه في الطابق العلوي. ووفقاً للشهود، فإن جدران المبنى كانت نحيفة للغاية لدرجة سماع صراخ الضحايا في كل مكان، وكان الحلبي يبيت في المبنى ويعلم تماماً ما يجري.

أما المتهم الثاني مسعود أبو ركبة (53 عاماً)، وكان يترأس قسم التحقيق في الأمن الجنائي، فقد كان معروفاً ومخيفاً لدى سكان الرقة ولقب بـ “ملاك الموت”، ويُتهم بالإشراف المباشر والمشاركة بيده في عمليات ضرب مبرح بكابلات الكهرباء والقبضات والركل، تسببت إحداها في كسر إصبع طالب يبلغ من العمر 18 عاماً بعد أن ركل يده بعنف بـ “البسطار” العسكري.

وتوضح اللائحة استخدام وسائل تعذيب وحشية ممنهجة مثل “البساط الطائر” (هيكل خشبي صليبي يُربط عليه المعتقل ويُضرب على باطن قدميه لساعات)، و”الدولاب” (إطار سيارة يُحشر فيه المعتقل ويُضرب بعنف)، و”الشبح” (تعليق المعتقل من معصميه لعدة أيام دون أن تلمس قدماه الأرض)، بالإضافة إلى الصعق بالكهرباء، وسكب الماء المغلي أو المثلج، والحرمان التام من الرعاية الطبية للمصابين بكسور أو جروح مفتوحة.

اعتداء جنسي أمام “اللجنة الأمنية” وعواقب نفسية مستمرة

تتضمن القضية واقعه شديدة القسوة بحق طالب كان يبلغ من العمر 18 عاماً، اعتقل في مارس 2012 بسبب مشاركته في المظاهرات السلمية، حيث تعرض للاعتداء والضرب العنيف على أعضائه التناسلية وهو شبه عارٍ أمام كامل أعضاء “اللجنة الأمنية” في الرقة، والتي كانت تضم خمسة ضباط رفيعي المستوى وعدداً من الحراس، وسط توجيه عبارات إهانة وسخرية قاسية له من قِبل الجناة؛ ويؤكد التقرير النفسي الخبير للطبية Charlotte Lohmann-Fürstenberg أن الضحية (الذي يبلغ من العمر اليوم 30 عاماً) لا يزال يعاني حتى الآن من اضطراب ما بعد الصدمة (PTBS)، واكتئاب حاد، واضطرابات وظيفية مستمرة. وتحمل النيابة العامة كلا المتهمين المسؤولية الجنائية عن هذه الجريمة؛ الحلبي باعتباره رئيساً وكان نائبه حاضراً في اللجنة ويعلم بالانتهاكات، وأبو ركبة لثبوت حضوره الشخصي وتواحده أثناء جلسة الاستجواب والاعتداء بناءً على شهادات الشهود.

تنوع الضحايا والمسارات المعقدة للوصول إلى النمسا

تضم قائمة الشهود الـ 16 شخصيات من مختلف فئات المجتمع؛ من بينهم مهندس تقنية معلومات كان يعمل لصالح حزب معارض تعرض للصفع مباشرة من الحلبي قبل أن يضرب الحراس قدميه حتى نزفت، ومحامٍ اعتقل لمشاركته في وقفة سلمية أمام مجمع المحاكم، وطالب حقوق هُدد باغتصاب شقيقته بينما كان Al Halابي يضربه بنفسه بكابل كهربائي، بالإضافة إلى رياضي محترف فقد اثنين من قواطعه الأمامية نتيجة ركلة حذاء عسكري في وجهه. ويؤكد الخبير الطبي الشرعي Dr. Thomas Wenzel أن 15 من أصل 16 ضحية يعانون من أضرار نفسية مزمنة سترافقهم طوال حياتهم، وسيتم الاستماع للشهود في المحكمة خلف ساتر لحمايتهم وحماية عائلاتهم في سوريا، أو عبر تقنية الفيديو.

وحول كيفية وصول المتهمين إلى النمسا، تشير الوثائق إلى أن الحلبي انشق في مارس 2013 قبل سقوط الرقة بيد المعارضة المسلحة، وفر عبر تركيا والأردن إلى فرنسا التي رفضت منحه اللجوء لتورطه في جرائم النظام. وفي يونيو 2015، نُقل إلى النمسا ضمن عملية استخباراتية سرية للغاية عُرفت باسم “الحليب الأبيض”، حيث نسق جهاز حماية الدستور ومكافحة الإرهاب النمساوي السابق (BVT) مع جهاز الموساد الإسرائيلي لجلبه إلى فيينا وتوفير سكن ودعم مالي له وحصوله على اللجوء، وهو الملف الذي تسبب لاحقاً في محاكمة مسؤولي أمن نمساويين بتهمة إساءة استخدام السلطة وانتهت ببراءتهم، بينما لا يزال مدير القسم النمساوي المسؤول Martin Weiss متوارياً في دبي. وقد أُلغي لجوء الحلبي عام 2021 وصدر أمر بتقديمه للمحاكمة، وهو محتجز في سجن “جوزيف شتات” بفيينا منذ 23 ديسمبر 2024. أما المتهم الثاني أبو ركبة فقد انشق في يوليو 2012 ووصل النمسا عبر تركيا واليونان وإيطاليا، وتقدم بطلب لجوء في مركز “ترايسكيرخين” في نوفمبر 2014، حيث تعرّف عليه بالصدفة البحتة أحد ضحاياه (المحامي الذي اعتقل في مظاهرة المحكمة)، وتم رفض لجوئه لاحقاً لكنه يعيش حالياً في مقاطعة النمسا العليا وهو متزوج ولديه ثلاثة أطفال، بانتظار البت النهائي في وضعه عقب انتهاء المحاكمة الجنائية.

“تنفيذ الأوامر” خط الدفاع .. والعدالة الدولية عبر “مبدأ الولاية القضائية”

تعتمد خطة الدفاع التي يقودها المحاميان الشهيران Timo Gerersdorfer وPhilipp Wolm على إنكار التهم؛ حيث يدعي الحلبي أنه لم يكن يعلم بعمليات التعذيب وأن التحقيقات كانت تدار بالكامل من قِبل مرؤوسه شادي وقاف، زاعماً أنه “ليس سادياً” وأن الشهود يكذبون لتسهيل الحصول على اللجوء أو للانتقام، ورغم إنكاره فقد التبست عليه التفاصيل وتذكر بدقة واقعة اعتقال مهندس تقنية المعلومات عام 2011 بمجرد سؤاله عنها ودون ذكر اسم الضحية. ومن جهته، زعم أبو ركبة أنه نُقل إلى جهاز آخر في يناير 2012 وأنه ضحية تشابه أسماء، لكن النيابة دحضت ادعاءه بشريط فيديو لمقابلة أجراها مع التلفزيون الرسمي السوري في 19 مارس 2012 يظهر فيها بملابسه العسكرية ويقول علناً: “أنا المقدم مسعود أبو ركبة، رئيس قسم التحقيق بالأمن الجنائي، وما زلت على رأس عملي”.

وتستند النيابة العامة في محاكمتهما أمام القضاء النمساوي إلى “مبدأ الولاية القضائية العالمية” (Weltrechtsprinzip) المطبق على جرائم التعذيب وفق اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي انضمت إليها النمسا عام 1987، والتي تلزم الدول بمحاكمة المتهمين بالتعذيب المتواجدين على أراضيها طالما تعذر تسليمهم لبلدهم الأصلي لعدم وجود ضمانات لمحاكمة عادلة، كما أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. ورغم أن الأفعال تصنف اليوم كـ “جرائم ضد الإنسانية” وتصل عقوبتها إلى السجن 15 عاماً، إلا أن هذا القانون أُقر في النمسا عام 2015؛ وبناءً على مبدأ تطبيق القانون الأصلح للمتهم، سيُحاكمان بموجب القوانين التقليدية السابقة (الاعتداء الجسدي الجسيم، والإكراه الشديد، والتعذيب) مما يجعل الحد الأقصى للعقوبة يتراوح بين سنة إلى 10 سنوات سجناً، وتطالب النيابة بإنزال عقوبات مشددة تتناسب مع حجم الذنب في الجزء العلوي من هذا النطاق العقابي تزامناً مع انهيار نظام الأسد بالكامل في 8 ديسمبر 2024 وسقوط منظومته الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى