دراسة بمشاركة معهد لاكسنبورغ النمساوي: كيف يمكن للنظام النباتي إنقاذ المناخ وخفض انبعاثات الماشية بـ 85%؟

النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:
في دراسة علمية حديثة شارك فيها باحثون من المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية (IIASA) الواقع في لاكسنبورغ بمقاطعة النمسا السفلى، بالتعاون مع جامعة كورنيل الأمريكية ونُشرت في مجلة “Nature” العلمية، كشف العلماء أن التحول العالمي نحو أنظمة غذائية تعتمد بشكل أكبر على النباتات لا يمثل ضرورة صحية للحد من الأمراض فحسب، بل هو مفتاح استراتيجي لإنقاذ كوكب الأرض من كوارث بيئية ومناخية وشيكة. واستندت الدراسة إلى مقارنة سيناريوهات مستقبلية حتى عام 2050 باستخدام عشرة نماذج اقتصادية عالمية، من بينها نموذج الإدارة العالمية للمحيط الحيوي (GLOBIOM) الذي يساهم به معهد لاكسنبورغ، لمحاكاة أثر التغير في العادات الغذائية على قطاعات الزراعة واستغلال الأراضي والانبعاثات.
نظام “الغذاء الكوكبي” كحل استراتيجي
ويستند هذا التوجه العلمي إلى نموذج “النظام الغذائي الكوكبي” (Planetendiät) الذي اقترحته لجنة “EAT-Lancet” الدولية. ويركز هذا النظام على الاستهلاك المكثف للفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والمكسرات، والبقوليات، مقابل تقنين صارم لتناول اللحوم الحمراء والأسماك والدواجن. ويهدف هذا النموذج إلى شقين رئيسيين: أولهما الوقاية من الأمراض المزمنة والوفيات المبكرة المرتبطة بسوء التغذية والإفراط في تناول الدهون واللحوم، وثانيهما حماية موارد الأرض عبر توجيه المحاصيل الزراعية مباشرة للاستهلاك البشري بدلاً من هدرها كأعلاف لتربية الماشية، حيث تشير البيانات إلى أن المنظومة الزراعية والغذائية الحالية مسؤولة عن حوالي ثلث الانبعاثات الضارة عالمياً وتدفع بالنظام البيئي نحو نقاط انهيار حرجة.
نتائج المحاكاة لعام 2050 وآفاق المستقبل
وبحسب الحسابات التي أجراها الباحثون Amanda Palazzo وMarta Kozicka وPetr Havlik من معهد (IIASA) لسيناريو “التحول الغذائي الكبير” بحلول عام 2050، إلى جانب خفض هدر الطعام إلى النصف وزيادة الإنتاجية الزراعية، فإن النتائج ستكون غير مسبوقة وتتمثل في الآتي:
- تراجع قياسي للثروة الحيوانية: انخفاض أعداد المجترات (مثل الأبقار والأغنام والماعز) بنحو 400 مليون رأس، ما يعادل تراجعاً بنسبة 42% مقارنة بمستويات عام 2020، وهو ما يقلص مساحات المراعي المطلوبة بشكل تاريخي.
- خفض حاد للانبعاثات: إمكانية خفض غازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري والناتجة عن قطاع تربية الماشية بنسبة تصل إلى 85%.
- توسيع الرقعة الخضراء: تراجع المساحة الإجمالية المستخدمة لإنتاج الغذاء عالمياً بنسبة 6%، مما يتيح استعادة الغابات ونموها لامتصاص كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون.
- إعادة توازن المحاصيل: سيترافق تراجع إنتاج اللحوم مع زيادة بنحو 25% (الربع) في إنتاج الخضراوات، والفواكه، والمكسرات، والبقوليات لتغطية الاحتياجات الغذائية.
التحديات والقرارات السياسية المطلوبة
ورغم أن هذا التحول سينقذ ملايين الأرواح سنوياً من الموت المبكر ويوفر مبالغ طائلة مخصصة للرعاية الصحية في ميزانيات الدول، إلا أن الدراسة تسلط الضوء على عقبات هيكلية واقتصادية كبرى؛ إذ تتمتع جماعات الضغط (اللوبي) لمنتجي اللحوم، والسكر، والحبوب بنفوذ سياسي واسع يعرقل فرض ضرائب صحية أو حظر إعلانات الأغذية الضارة. كما يبرز تفاوت طبقي واقتصادي عالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن هذا النظام الغذائي المقترح قد يكون أرخص تكلفة للمستهلكين في الدول الغنية ذات الدخل المرتفع، بينما قد تزداد تكلفته وصعوبة تأمينه في الدول النامية وذات الدخل المنخفض. ويؤكد الباحثون في ختام دراستهم أن إحداث هذا التغيير يتطلب قطعاً حتمياً مع المسارات التاريخية التقليدية واتخاذ قرارات سياسية جريئة من الحكومات لإعادة صياغة السياسات الزراعية والبيئية.