هندسة الذاكرة بريشة الحرب والسلام: وفيقة معتوق تروي رحلتها من بيروت إلى فيينا في “ليالي فيينا” بودكاست

النمسا ميـديـا – فيينا:
في حوار استثنائي امتد لحلقتين، استضاف الإعلامي والناقد علي الحسن عبر بودكاست “ليالي فيينا”، المهندسة والرسامة والكاتبة اللبنانية م. وفيقة معتوق. الحوار الذي أنتجته مؤسسة “النمسا ميديا” تحت إشراف المهندس أحمد مراد، لم يكن مجرد استعراض لسيرة ذاتية، بل كان غوصاً فلسفياً في مفاهيم الهوية، سيكولوجية الفن، وفلسفة العمارة بين الشرق والغرب.
عقل الحرب وفوضى الإبداع
استهلت وفيقة معتوق حديثها بالعودة إلى جذورها في بيروت عام 1976، واصفة نشأتها تحت وطأة الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي. طرحت معتوق مفهوماً لافتاً وهو “ابن الحرب”، معتبرة أن الشخص الذي ينشأ في صراع يطور عقلاً يعمل في “حالة مقاومة” وقلق دائم، مما يجعله أكثر قدرة على الإبداع في الفوضى منه في النظام الصارم. هذا التكوين النفسي هو ما دفعها لاحقاً لدمج الهندسة المعمارية بالفن التشكيلي، معتبرة أن الفن كان “النافذة الوحيدة” للتعامل مع أزمات الفقد والحروب.
سيكولوجية اللوحة: “الولادة” بلا يدين
ناقشت الحلقة الأولى بعمق كتابها “سلوكيات لوحاتي”، حيث أوضحت أن اللوحة لديها ليست مجرد مشهد جمالي، بل هي “كائن حي” يحمل مفهماً (Concept). توقفت معتوق عند لوحتها الشهيرة “الولادة”، التي رسمتها بعد جلسات “تصحيح تجارب عاطفية” في فيينا. كشفت معتوق أنها رسمت نفسها في اللوحة بلا يدين، وهو ما فسره علم النفس لاحقاً بأنه تجسيد لـ “العجز عن الفعل” بعد صدمة فقدان أطفالها. اليدين الخارجيتين في اللوحة كانتا ترمز للمؤسسات والمجتمع النمساوي الذي ساعدها على “الولادة من جديد” والاندماج دون محو ذاكرتها القديمة.
فلسفة العمارة: “الدبكة” الفييناوية مقابل “البحرة” الشرقية
في الجزء الثاني من اللقاء، قدمت معتوق مقاربة معمارية-سلوكية فريدة؛ فوصف عمارات فيينا بأنها “مرصوصة كتفاً بكتف كرقصة الدبكة”، دلالة على النظام والقوة غير المخترقة. وأوضحت أن العمارة الغربية تعتمد على “إظهار القوة” عبر واجهات ضخمة وتماثيل غاضبة لردع الغزاة، بينما العمارة الشرقية “تخفي جمالها وقوتها” (مثل البحرة والقناطر) في الداخل لحمايتها من الاحتلالات المتعاقبة.
موروث الجدات وصراعات الهوية
تطرقت معتوق إلى مشاركتها في أنطولوجيا “جداتنا ثراء الذاكرة”، مقدمة نظرية “3 جي” (الأجيال الثلاثة)، حيث لاحظت أن الحفيدة غالباً ما تكرر الأنماط السلوكية التي كانت تكرهها الأم في الجدة. كما تناولت أعمالها الروائية:
- “ليلى والذئاب”: التي تعالج صراع الهويات والحوار الثقافي بين الشرق والغرب من خلال إعادة قراءة رمزية للقصة الشهيرة.
- “مدينة المهرجين”: التي كتبت في مرحلة “التيه” القانوني والهوياتي بين دبي وبيروت، حيث يرمز “المهرج” لمن يخفي حزنه خلف قناع من الحركة العشوائية لتفادي الألم.
فيينا.. الوطن والقانون
أنهت معتوق الحوار بالتعبير عن امتنانها لمدينة فيينا، ليس فقط لجمالها المعماري، بل لـ “النظام المدني” الذي يحمي الفرد ويحترم خصوصيته. وأعلنت عن مشروعها القادم “جينكو” (Ginkgo)، المستوحى من ورقة شجرة الجينكو، والذي يهدف لتجريد التجارب الإنسانية وتحويلها إلى نماذج للصحة العقلية، مؤكدة أن رحلتها هي رحلة بحث دائم عن “الأصل الإنساني” المشترك.