السوريون في النمسا يتحدثون الان على امل تحقيق العدالة لاحقا

في غياب الاجماع الدولي، يسعى عدد متزايد من الدول الاوروبية على تحقيق العدالة في سوريا، في محاكمها الخاصة، وذلك عبر الاستماع الى شهادات الشهود الذين فروا من بلدهم.

لقد كان عمر (ز3) 12 عاما عندما انضم الى الاحتجاجات ضد الرئيس السوري بشار الاسد في العام 2012 في مدينة حلب، ونتيجة لذلك قامت الشرطة بسكب البلاستيك الذائب على قدميه العاريتين وصعقة كهربائيا، على حد قوله.

 لقد عملت (ز1) كمعلة للرياضيات واللغة الانكليزية في دمشق، وكانت معرفة من خلال تعليقاتها السياسية عبر الانترنيت. في العام 2012، تم اعتقالها من قبل عناصر المخابرات التابعة للمخابرات الجوية السورية اثناء رحلتها الى الريف، وبناءا على حدا قولها، فقد تم اعتقالها وضربها في سجن تحت الارض لمدة سبعة اشهر.

ان (ز12) هي ام (ز13) والبالغ من العمر خمسة عشر عاما. تم اعتقالهم لاول مرة في نقطة تفتيش في العاصمة السورية في تشرين الاول 2013، حيث تم الاعتداء عليهم جنسيا، وضربهم، وصعقهم كهربائيا، وتحريقهم لعدة سنوات في احد المراكز الحكومية. هذا وذكرت (ز13) بأنها قد شاهدت مراهقة ماتت جراء تعرضها للاغتصاب بصورة متكررة.

الحرف (ز) يشير الى ‘الشرف’ او الشاهد.

ان (ز1)، و(ز3)، و(ز12)، و(ز13) هم من بين 16 شخصا غير معرف من الرجال والنساء – لاجئين من سوريا – تم ادراج مزاعمهم بالتعرض للتعذيب ما بين الاعوام 2011 و2017 في شكوى جنائية مكونة من 120 صفحة تم رفعها من قبل محامين لحقوق الانسان الى المدعي العام في فيينا في ايار، علما بانها اول شكوى في النمسا ضد السلطات السورية.

هذا وتتهم الوثيقة، والتي تم تعليقها حاليا لاسباب قانونية، 24 من كبار اعضاء حكومة بشار الاسد بارتكاب جرام ضد الانسانية، بما في ذلك التعذيب، والقتل، والابادة، والضرر الجسدي الخطير، والحرمان من الحرية. لقد قام المحامون باطلاع (BIRN) على محتوى تلك الشكوى.

تستند الشكوى على مبدأ “السلطة القضائية العالمية”، حيث يمكن لاي دولة أو هيئة دولية من أن تفرض سلطتها القضائية على مرتكب الجريمة بغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة.

هذا وقد طبقت هذه السلطة سابقا، وتحديدا ابان الفترة التي شهدت فيها أوروبا نزوحا من هذا النوع للاجئين، ابان انهيار يوغوسلافيا في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث فتحت فيينا أبوابها أمام اللاجئين من جميع أنحاء الاتحاد المنهار.

ففي تلك الفترة، قام محامو حقوق الانسان من فيينا بأجراء مقابلات مع 1,000 بوشناقي (بوسني مسلم) لاجئ ، من بين عشرات الالاف الذين طردتهم قوات صرب البوسنة في الايام الاولى من حرب 1992- 1995 من المدينة البوسنية زفورنيك. وعندما قامت الامم المتحدة بأنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة في العام 1993، قدم المحامون تلك الشهادات كدليل، وليتم تحقيق العدالة بعد عدة سنوات.

لذا فيجبالان على المدعين النمساويين من أن يقرروا ما إذا كانوا سيفتحون تحقيقاً رسمياً ويصدرون مذكرات توقيف، لينضموا بذلك إلى ألمانيا والسويد وفرنسا في الصراع الطويل الأمد من أجل تحقيق العدالة لضحايا الحرب التي دامت سبع سنوات وأودت بحياة أكثر من 500،000 شخص، وشردت الملايين، كما وشهدت عشرات الآلاف من حالات التعذيب في السجون الحكومية.

“يمكنهم ان يبدوا غدا”، هذا ما قالته تاتيانا اوردانيتا ويتيك – محامية من فيينا – للمدعيين العامين بعد ان عملت على تقديم الشكوى نيابة عن مركز تطبيق حقوق الانسان العالمي الغير ربحي (CEHRI).

“لدينا ادلة محددة للغاية”.
منذ بدء الحرب السورية في العام 2011، تم احتجاز عشرات الآلاف في السجون الحكومية، وتُركت عائلاتهم في ظلام دامسحول مصير ابنائها. هذا ويعتقد أن المئات، بل وربما الآلاف قد لقوا حتفهم جراء ذلك. ولكن في الأسابيع الأخيرة، وبعد سنوات من الصمت الرسمي، بدأت الحكومة في اعطاء اشارات حولحالات الإعدام. علما بأن الكثير يؤكدون أن الوفيات قد حدثت في بداية الانتفاضة ضد الأسد.

إن لجوء الدول الأوروبية للعمل الفردي من اجل تحقيق العدالة هو نتيجة الشلل على المستوى الدولي.

ونظراً لأن سوريا ليست من الدول الموقعة على تشريع روما الأساسي، فإن محكمة العدل الدولية، المحكمة في لاهاي ليس لديها سلطة قضائية للتحقيق مع الأسد، مالم يُطلب ذلك من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ولكن هناك دائما ما تكون سوريا محمية بحق الفيتو لروسيا والصين.

في العام 2011، عندما واجهت الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط مطالب الربيع العربي بالديمقراطية، أنشأت الأمم المتحدة “اللجنة المستقلة للتحقيق في الجمهورية العربية السورية” للتحقيق في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان من آذار من ذلك العام.

وبعد مرور خمس سنوات، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنشاء آلية دولية ومحايدة ومستقلة، أو (MIII) للتحقيق في انتهاكات القانون الدولي في سوريا.

ان مهمة المعهد الدولي للعلاقات الإنسانية هي “جمع وتدعيم وحفظ وتحليل الأدلة” المتعلقة بجرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان ومساعدة المحاكم الوطنية والإقليمية والدولية في محاكمة الجناة.

كما ويعمل على “نهج متكامل” لحماية أولئك الذين يمكنهم الشهادة على جرائم الحرب السورية؛ حيث ان عددهم كبير وهم ايضا من بين مئات الآلاف الذين فروا إلى أوروبا كجزء من أزمة اللاجئين والمهاجرين التي بلغت ذروتها في عام 2015 وتستمر حتى اليوم.

أن قضية النمسا تعتمد على ما يسمى بـ “صور قيصر”، والتي تضم 55,000 صورة لضحايا التعذيب في سوريا تم تهريبها إلى خارج البلاد ونشرها على صفحات الإنترنت من قبل مصور للطب العدلي سابق، هرب من البلاد، ويعرف فقط بالاسم الرمزي قيصر.

ومع عدم وجود فرصة للجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن الضحايا يلجأون إلى المحاكم الوطنية.

ان أكبر حدث مرتبط بهذا الامر قد وقع في حزيران، عندما أصدرت محكمة العدل الاتحادية الألمانية (المحكمة الاتحادية) أمراً بالقاء القبض على جميل حسن، رئيس جهاز المخابرات في سلاح الجو السوري.

حيث تستند هذه المذكرة على شهادة 24 سوريًا يعيشون في ألمانيا وأدلة أخرى جمعها محامون سوريون والمركز الأوروبي لحقوق الإنسان والحقوق الدستورية ومقره برلين، والمركز الأوروبي لحقوق الإنسان.

لقد قدمت المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان حتى الآن أربع شكاوى جنائية في ألمانيا لارتكاب جرائم حرب مزعومة في سوريا وساعدت في القضية النمساوية.

إذا ما أصدرت النمسا مذكرات توقيف، فإنها ستقيد على الفور سفر المتهمين. لقد حدد المحامون شخصا واحدا فقط – علي مملوك، مستشار الأمن الخاص للأسد ورئيس مكتب الأمن القومي.

في أواخر شهر اذار، أفادت صحيفة لوموند الفرنسية أن مملوك كان قد استقبل في روما في كانون الثاني من قبل رؤساء المخابرات الإيطالية، على الرغم من كونه من بين المسؤولين الحكوميين السوريين المدرجين في القائمة السوداء من قبل الاتحاد الأوروبي.

الحكم في السويد على المتمردين السابقين
ينظر المدعي العام الاتحادي الألماني بقضايا سوريا منذ العام 2011 من خلال ما يطلق عليه “تحقيق هيكلي” – وذلك بجمع الأدلة التي يجب تأمينها للرجوع اليها في المستقبل. هذا وقد ركز حتى الآن وبشكل أساسي على الجرائم التي يرتكبها أفراد من الرتب الدنيا من الجماعات المسلحة الغير تابعة للدول.

كما اتخذت السويد وفرنسا إجراء، ففي أيلول 2017، حكمت محكمة سويدية على متمرد سوري سابق، وهو حسام عمر سخانة، بالسجن مدى الحياة لمشاركته في قتل سبعة جنود سوريين معتقلين في عام 2002. علما انه قد سافر إلى السويد في العام 2013 وحصل على حق اللجوء.

وهناك تحقيقان آخران يجريان في فرنسا، أحدهما يتعلق بالاختفاء القسري والتعذيب.

والتحقيق الاخر هو حول تورط شركة الاسمنت العملاقة لافارح والتي قد تم توجيه التهمة اليها بالتواطؤ في جرائم ضد الانسانية وتمويل الارهابيين وتعريض حياة الناس للخطر في سوريا. ويذكر ان شركة تابعة لشركة لافارج قد دفعت لاسلاميين راديكاليين، بما في ذلك الدولة الاسلامية، من اجل تأمين عملها. ولكن ذكرت لافارج بأنها سوف تستأنف الاتهامات.

لقد كان تركيز النمسا حتى الآن على قضايا الإرهاب وتحديداً على تجنيد المقاتلين.

علما بانه يتم حاليا استئناف قضية واحدة حول الجرائم ضد الإنسانية؛ في العام 2017، حكمت محكمة إقليمية في إنسبروك على لاجئ فلسطيني بالسجن مدى الحياة لإعدامه 20 معتقلاً حكومياً في منطقة حمص.

تم إلغاء الحكم في كانون الاول 2017 من قبل المحكمة العليا في النمسا ومن المقرر إعادة المحاكمة هذا العام.

ان القضية هي ليست أول قضية في النمسا يتم فيها اتهام لاجئ بجرائم ارتكبت في منطقة النزاع الذي فر منه. ففي العام 1993، مُنح الصربي البوسني دوشكو تسفيتكوفيتش صفة اللاجئ في النمسا، ولكن بعد عام على ذلك، تم توجيه تهمة الابادة الجماعية له من قبل النيابة العامة في سالزبورغ اثر التعرف عليه في الشارع من قبل زميله البوسني، علما بأنه قد تم تبرئته لاحقا.

دروس من يوغسلافيا
ان المحامون في النمسا يتحلون بالواقعية حول فرصهم في رؤية أحد كبار حلفاء الأسد في قفص الاتهام في احدى محاكم فيينا. ولكن الدرس المستفادة منها من يوغسلافيا تؤكد على ضرورة التحلي بالصبر.

لقد بدأت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في جمع الأدلة في أوائل التسعينات، ولكن تطلب الأمر كذلك سنوات، وأحياناً لعقود، حتى وجد المتهمون الرئيسيون أنفسهم في محكمة على الساحل الشمالي لهولندا.

لقد كان المحامون النمساويون من بين أولئك الذين ساهموا في الأدلة التي جمعوها من خلال إجراء مقابلات مع اللاجئين من البوسنة.

“هناك حالياً حوالي 40,000 سوري في النمسا حصلوا على صفة اللجوء”، على حسب قول المحامية ويتيك”. نحن نطلب من الشهود الآخرين أن يتقدموا للادلاء بشهاداتهم”.

كما وذكر هانس تريتير، محام ومدير معهد لودفيغ بولتزمان لحقوق الإنسان ومقره فيينا، والذي ساعد مفوضية حقوق الإنسان في الشرق الأوسط في إعداد قضية سوريا: “إن ما نقوم به الآن شبيه بعملنا في التسعينات من القرن الماضي”.

“لقد كان إسهاما كبيرا في المحكمة اليوغسلافية التي أنشئت في وقت لاحق.”

“الذاكرة تتلاشى”، كما ذكر. “من المهم توثيق شهادات الشهود الآن.”

كريستوف زوتر، فيينا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى